تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كنت أبكي قبل أن تشحط النوى

فكيف إذا ما غبت عنك أكون

وانظر كيف يصف العرجي خوف محبوبته من فراقه:

وما أنس ملأشياء لا أنس موقفا

لنا ولها بالسفح دون ثبير

ولا قولها وهنا وقد بل جيبها

سوابق دمع لا يجف غزير

أأنت الذي خبرت أنك باكر

غداة غد أو راحل بهجير

فقلت يسير بعد شهر أغيبه

وما بعض يوم غبته بيسير

وقلت لها قول امرئ شفه الهوى

إليها ولو طال الزمان فقير

فما أنا إن شطت بك الدار أو نأت

بي الدار عنكم فاعلمي بصبور

وكنا نحب أن نعلم بقية العتاب في قوله:

أحين عصيت العاذلين إليكم

ونازعت حبلي في هواك أميري

وباعدني فيك الأقارب كلهم

وباح بما يخفي اللسان ضميري

ولكن الرواة لم يذكروا هذه القصيدة كاملة.

والشعر الذي تقدم لا يمثل عواطف النساء تمام التمثيل؛ لأنه من أحاديث الرجال، ولو أن المرأة تكلمت لعرفنا منها كيف تشعر بلوعة الفراق. وإليك ما قالته امرأة من بني أسد في حبيب ينقض العهود:

بنفسي من أهوى وأرعى وصاله

وتنقض مني بالمغيب وثائقه

حبيب أبى إلا اطراحي وبغضتي

وفضله عندي على الناس خالقه

وانظر قول ابنة الحباب:

محا حب يحيى حب يعلى فأصبحت

ليحيى توالي حبنا وأوائله

ألا بأبي يحيى ومثنى ردائه

وحيث التقت من متن يحيى حمائله

فإن هذا الشعر يمثل إحساس النساء بجمال الرجال. وما أوجع الشوق في قول هذه الشاعرة:

أأضرب في يحيى وبيني وبينه

تنائف لو تسري بها الريح كلت

ألا ليت يحيى يوم عيهم زارنا

وإن نهلت مني السياط وعلت

وفي الآداب العربية قطع منثورة تمثل ما تشتهي المرأة من الرجل، ولكنها من القلة بحيث لا تصور تماما نفوس النساء، ولا تزال لغزا من الألغاز، ولو أنها تحدثت عن عواطفها كما تحدث الرجل عن عواطفه، لعرفنا بعض ما ستره هذا الصمت البليغ.

| ندم المفارق

أشهر الشعر في ندم المحب على فراق من يحب، ما قاله قيس بن ذريح وقد طلق لبنى. قال محمد بن زياد الأعرابي: لما ألح ذريح على ابنه قيس في طلاق لبنى، فأبى ذلك قيس، طرح ذريح نفسه في الرمضاء وقال: لا والله، لا أريم هذا الموضع حتى أموت، أو يخليها. فجاءه قومه من كل ناحية، فعظموا عليه الأمر وذكروه بالله وقالوا: أتفعل هذا بأبيك وأمك، وإن مات شيخك على هذه الحال كنت معينا عليه وشريكا في قتله، ففارق لبنى على رغم أنفه وقلة صبره، وبكى حتى بكى لهما من حضرهما، وأنشأ يقول:

أقول لخلتي في غير جرم

ألا بيني بنفسك أنت بيني

فوالله العظيم لنزع نفسي

وقطع الرجل مني واليمين

أحب إلي يا لبنى فراقا

فبكي للفراق وأسعديني

ظلمتك بالطلاق بغير جرم

لقد أذهبت آخرتي وديني

قال: فلما سمعت بذلك لبنى بكت بكاء شديدا وأنشأت تقول:

رحلت إليه من بلدي وأهلي

فجازاني جزاء الخائنينا

فمن يرني فلا يغتر بعدي

بحلو القول أو يبلو الدفينا

فلما انقضت عدتها وأرادت الشخوص إلى أهلها أتيت براحلة لتحمل عليها، فلما رأى ذلك قيس داخله منه أمر عظيم، واشتد لهفه، وأنشأ يقول:

بانت لبينى فأنت اليوم متبول

وإنك اليوم بعد الحزم مخبول

فأصبحت عنك لبنى اليوم نازحة

ودل لبنى، لها الخيرات، معسول

هل ترجعن نوى لبنى بعافية

كما عهدت ليالي العشق مقبول

وقد أراني بلبنى حق مقتنع

والشمل مجتمع والحبل موصول

فصرت من حب لبنى حين أذكرها

القلب مرتهن والعقل مدخول

أصبحت من حب لبنى حين أذكرها

في كربة ففؤادي اليوم مشغول

والجسم مني منهوك لفرقتها

أخو هيام مصاب القلب مسلول

أستودع الله لبنى إذ تفارقني

عن غير طوع وأمر الشيخ مفعول

ثم ارتحلت لبنى فجعل قيس يقبل موضع رجليها من الأرض وحول خبائها، فلما رأى ذلك قومه أقبلوا على أبيه بالعذل واللوم، فقال ذريح لما رأى حاله: قد جنيت عليك يا بني! فقال له قيس: قد كنت أخبرك أني مجنون بها فلم ترض إلا بقتلي، فالله حسبك وحسب أمي! وأقبل قومه يعذلونه بتقبيله للتراب، فأنشأ يقول:

فما حبي لطيب تراب أرض

مدامع العشاق · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٤٧