تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في سفرتي هذه إلا وأقطعه

يا من أقطع أيامي وأنفدها

حزنا عليه وليلي لست أهجعه

لا يطمئن بقلبي مضجع وكذا

لا يطمئن به مذ بنت مضجعه

ما كنت أحسب أن الدهر يفجعني

به ولا أن بي الأيام تفجعه

حتى جرى الدهر فيما بيننا بيد

عسراء تمنعني حقي وتمنعه

وكنت من ريب دهري جازعا فرقا

فلم أوق الذي قد كنت أجزعه

بالله يا منزل القصف الذي درست

آثاره وعفت مذ بعت أربعه

هل الزمان معيد فيك لذتنا

أم الليالي التي أمضت ترجعه

في ذمة الله من أصبحت منزله

وجاد غيث على مغناك يمرعه

من عنده لي عهد لا يضيع كما

عندي له عهد صدق لا أضيعه

ومن يصدع قلبي ذكره وإذا

جرى على قلبه ذكري يصدعه

لأصبرن لدهر لا يمتعني

به ولا بي في حال يمتعه

علما بأن اصطباري معقب فرجا

فأضيق الأمر لو فكرت أوسعه

عل الليالي التي أضنت بفرقتنا

جسمي ستجمعني يوما وتجمعه

وإن تغل أحدا منا منيته

لا بد في غده الثاني سيتبعه

وإن يدم أبدا هذا الفراق لنا

فما الذي بقضاء الله نصنعه

ومما يتصل بندامة المفارق ما قاله ابن الرومي في فرصة ضاعت منه فعض من بعدها البنان، فلنذكرها على سبيل الفكاهة، لما فيها من ظرف المجون:

أستغفر الله من تركي علانية

ذنبا هممت به في شادن خنث

1

ظبي دعتني عيناه ومنطقه

بنية صدقت عن ظاهر عبث

فلم أجبه وحظي في إجابته

لكن سكت كأني غير مكترث

لا بل فررت وظل الصيد يطلبني

والله ما كنت فيها بالفتى الدمث

أقسمت بالله لما كنت محتجزا

أني انبعثت بقلب غير منبعث

| غربة المحب

نتكلم قليلا عن غربة المحب، وكل مهجور غريب، لأن الأمر كما قال الشريف:

ليس الغريب الذي تنأى الديار به

إن الغريب قريب غير مودود

فمن الشعراء من يغترب في سبيل حبه، كما قال حذيفة الغنوي:

يقولون من هذا الغريب بأرضنا

أما والهدايا إنني والغريب

غريب دعاه الشوق واقتاده الهوى

كما قيد عود بالزمام أديب

1

وماذا عليكم إن أطاف بأرضكم

مطالب دين أو نفته حروب

أمشي بأعطان المياه وأبتغي

قلائص منها صعبة وركوب

ومن شجي الشعر في غربة المحب قول بعض الأعراب:

وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة

غزال كحيل المقلتين ربيب

فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى

ولكن من تنأين عنه غريب

ومما يتصل بهذا المعنى قول بعض الأعراب يذكر اختصاصه بالبلوى في اغتراب محبوبته:

أرى كل أرض دمنتها وإن مضت

لها حجج يزداد طيبا ترابها

2

ألم تعلمن يا رب أن رب دعوة

دعوتك فيها مخلصا لو أجابها

وأقسم لو اني أرى نسبا لها

ذئاب الفلا حبت إلي ذئابها

لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحت

بوادي القرى ما ضر غيري اغترابها

وغربة المحب تتمثل في حرمانه، وكيف لا يكون غريبا من يقول:

أيا منشر الموتى أقدني من التي

بها نهلت نفسي سقاما وعلت

لقد بخلت حتى لو اني سألتها

قذى العين من ساقي التراب لضنت

وما أم بو هالك بتنوفة

إذا ذكرته آخر الليل حنت

بأكثر مني لوعة غير أنني

أطامن أحشائي على ما أجنت

ويظهر أن قذى العين كان في أنفس العرب مثلا لما لا يضن به، فقد رددوا ذكره في أشعارهم، كما قال بعض بني أسد:

وكيف طلابي وصل من لو سألته

قذى العين لم يطلب وذاك زهيد

3

ومن لو رأى نفسي تسيل لقال لي

أراك صحيحا والفؤاد جليد

| الأمل الضائع

نذكر في مقدمة هذا الباب رسالة كتبها صاحب البدائع، ونقلها إلى الفرنسية حضرة الأديب عبد المجيد عيسى البيه. وهي تمثل الوجد يضطرم في الصدر، بعد قسوة الإخفاق. •••

تأيمت حتى لامني كل صاحب

وجاء سليمى أن تئيم كما إمت

لئن بعت حظي منك يوما بغيره

لبئس إذن يوم التغابن ما بعت

كنت أصبر على بأساء الحياة، وأحتمل ما فيها من هم وغم، لو أن عندي بقية من الأمل أرفه بها أحزاني، وأدفن فيها آلامي، ولكن حال القنوط دون الرجاء، وأتى اليأس دون الطمع، فلم يبق غير الجزع من مسعد، ولا سوى النوح من شفاء.

فيا جيرة ما كان أهنأ وردهم، وأطيب عيشهم، ويا أحبابا ذقت الفرح بقربهم، وعرفت الهم لبعدهم، ويا من أفناني فراقهم، وكان أحياني لقاؤهم، بربكم ما الذي لقيتم بعدي، فقد لقيت بعدكم ذلا وهوانا، وظلما وعدوانا، ومن عسى أن يكون قد ظفر بودكم، ونعم بحسنكم، فأصفاكم من الحب أجمله، ومن الأنس أكمله، فقد صحبت بعدكم من جحد نعمتي، وأنكر خلتي، ومن سقيته الشهد فسقاني الصاب، وأوليته القرب فأولاني القطيعة؟! فيا ليت شعري من ألوم؟ أألوم نفسي على أن لم أعق في بركم أهلي وإخواني، فأسير حيث سرتم، وأقيم حيث أقمتم.

مدامع العشاق · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٤٩