بعد ليلي ولم أجدك قصارا
إن من يحمل الخطوب كبارا
لا يبالي بحملهن صغارا
لم نفق منك يا زمان فنشكو
مدمن الخمر ليس يشكو الخمارا
وقال حافظ:
سكن الظلام وبات قلبك يخفق
وسطا على جنبيك هم مقلق
حار الفراش وحرت فيه فأنتما
تحت الظلام معذب ومؤرق
درج الزمان وأنت مفقود المنى
ومضى الشباب وأنت ساه مطرق
وقال القاياتي:
جن الظلام فما يزاح
يا ويلتا أين الصباح
ليل كأن نجومه
يطلعن في كبدي جراح
يا من أتاح لي الأسى
برد الفؤاد متى يتاح
قلب أساه لاعج
لولا تحجبه لفاح
ما بال دمعي يستبا
ح وحاجتي ليست تباح
وقال العقاد يخاطب الليل :
طويت أزمة الأجساد منا
فدانت وانطوت عنك القلوب
فما تدري أتسكن حين مالت
إلى تلك المضاجع أم تجوب
وما تدري أباتت في جحيم
أم الجنات مرتعها الخصيب
وما تدري أيسمع في دجاها
هتاف للبلابل أم نعيب
عقدت من الكرى وطنا رفيقا
وكل مسهد فيه غريب
تضيق به الوسائد والحشايا
وتلفظه المسالك والدروب
وحيد لا يقاربه بعيد
ولا يدري بلوعته القريب
فيا وطن النيام بكل فج
أمن حرج بك السهد المريب
ويا سكن الأحبة والأعادي
أليس بساحليك لنا نصيب
ويا دار السلام بأي سد
يصد الطرف مربعك الرحيب
لئن هجعت بساحتك المآقي
لما هجعت بساحتك الخطوب
كأن جموعهن سباع ليل
تبيت على فرائسها تلوب
فهل عند الظلام لنا حديث
يحاذر أن يلم به رقيب
أم ادخر الظلام لنا متاعا
يضن بلمحه الحلم الكذوب
سهرنا يا ظلام فلم يصبنا
على طول المدى إلا الشحوب
وإلا حلكة فيها تلاقي
سواد القلب والطرف الكئيب
والعقاد يكثر في شعره من شكوى الليل الطويل، وقد يشجيك حين ينظر إلى نفسه فيحسبها من اليأس أمست وهي خراب ينعب على أطلالها البوم. وانظر كيف يقول:
وناعبة صاحت ولليل هجعة
فقال علام البوم ينعب ناعيا
لقبحت من عمياء تقرأ في الدجى
إذا اسود أسطار الخراب الخوافيا
فقلت على النفس التي سوف تغتدي
طلولا بأحناء الضلوع حوانيا
تجوس أفاعي الحزن في جنباتها
ويا ربما تؤوي الضلوع الأفاعيا
فلا تحسبن البوم تنعي المغانيا
فقد تندب البوم النفوس البواليا
وكم وحشة للنفس يخشى اقتحامها
أخو غمرات ليس يخشى الفيافيا
وما أجمل قوله في هذه القصيدة:
ولما تقضى الليل إلا أقله
وحان التنائي جئت بالدمع باكيا
فأقبل يرعاني ويبكي وربما
بكى الطفل للباكي وإن كان لاهيا
وزحزحني عنه بكف رفيقة
وأسبل أهداب الجفون السواجيا
يقول لقد ران الكرى وتفرقت
نجوم الدجى والديك أصبح داعيا
فقلت وكم من ليلة إثر ليلة
سهرت وقد أمسيت وحدك غافيا
فهب لوداعي من رقادك ليلة
تمر فإني قد وهبت حياتيا
وأسلمت كفي كفه فأعادها
وقلبي! فهلا أرجع القلب ثانيا؟
| الطبيعة في أنفس الشعراء
لقد أكثر شعراء الغرب من الحديث عن الطبيعة، حتى لتحسب أن ذلك سمة من سماتهم، لا يشاركهم فيها أحد من العالمين.
ونريد أن نبين في هذه الكلمة أن شعراء العرب وردوا هذا المنهل، ونقعوا صداهم بمائه العذب الفرات، فإن الطبيعة ملك لجميع العيون في جميع الأقطار، والشعور بها والجنوح إليها من حاجات الفطرة، التي تسوي بين مختلف الشعوب، والتي تجمع حولها شتى العواطف والأهواء.
ونحن نعلم أن شعراء الغرب أكثروا من وصف السحاب؛ إذ كانت بلادهم غزيرة المطر، وإذ كانت آذانهم وأبصارهم أليفة لدوي الرعد، ولمع البرق، على أن شعراء العرب لم يقصروا في هذا الباب، ويكفي أن نذكر قول البحتري يصف سحابة:
ذات ارتجاز بحنين الرعد
مجرورة الذيل صدوق الوعد
مسفوحة الدمع لغير وجد
لها نسيم كنسيم الورد
ورنة مثل زئير الأسد
ولمع برق كسيوف الهند
جاءت بها ريح الصبا من نجد
فانتثرت مثل انتثار العقد
فراحت الأرض بعيش رغد
من وشي أنوار الربى في برد
كأنما غدرانها في الوهد
يلعبن من حبابها بالنرد
ومن أظهر الدلائل على سكون العرب إلى الطبيعة، وإخلادهم إلى مواردها الشهية أنهم يقرنون الحنين إلى معاهدهم بالدعاء لها بالسقيا وتراوح النسمات. وإليك قول الشريف: