أمعاهد الأحباب هل عود إلي
مغدى نبل به الجوى ومراح
يكفيك من أنفسنا ودموعنا
أن تمطري من بعدنا وتراحي
فلرب عيش فيك رق نسيمه
كالماء رق على جنوب بطاح
وتغزل كصبا الأصائل أيقظت
ريا خزامى باللوى وأقاح
كم فيك من صاحي الشمائل منتش
بالدل أو مرضى العيون صحاح
فسقى اللوى صوب الغمام ودره
وسقى النوازل فيه صوب الراح
وقد يقوى شعورهم «بشخصية» الطبيعة، حتى ليخاطبون الفلك الدائر، وينذرونه بالفناء! انظر قول البحتري:
أناة أيها الفلك المدار
أنهب ما تصرف أم جبار
ستفنى مثل ما تفني وتبلى
كما تبلي فيدرك منك ثار
تناب النائبات إذا تناهت
ويدمر في تصرفه الدمار
وما أهل المنازل غير ركب
مطاياهم رواح وابتكار
وانظر قول أبي القاسم ابن هانئ:
تفنى النجوم الزهر طالعة
والنيران: الشمس والقمر
ولئن تبدت في مطالعها
منظومة فلسوف تنتثر
ولئن سعى الفلك المدار بها
فلسوف يسلمها وينفطر
وانظر قول العتابي في وداع جارية له:
ما غناء الحذار والإشفاق
وشآبيب دمعك المهراق
ليس يقوى الوجد منك على الوج
د ولا مقلتا طليح المآقي
غدرات الأيام منتزعات
ما جنينا من طول هذا العناق
إن قضى الله أن يكون تلاق
بعدما تنظرين كان تلاق
هوني ما عليك واقني حياء
لست تبقين لي ولست بباق
أينا قدمت صروف المنايا
فالذي أخرت سريع اللحاق
غر من ظن أن تفوت المنايا
وعراها قلائد الأعناق
كم صفيين متعا باتفاق
ثم صارا لغربة وافتراق
قلت للفرقدين والليل ملق
سود أكنافه على الآفاق
ابقيا ما بقيتما سوف يرمى
بين شخصيكما بسهم الفراق
وإنما قلت «شخصية الطبيعة» لأدل القارئ على مبلغ ما سما إليه العرب حين كلفوا بالنظر إلى الوجود ... وانظر قول الحسين بن وهب في وصف النار وقد نفرت منها إحدى الجواري الحسان:
بأبي، كرهت النار حتى أبعدت
فعلمت ما معناك في إبعادها
هي ضرة لك في التماع ضيائها
وهبوب نفحتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك في القلوب صنيعها
بسيالها وأراكها وعدادها
شركتك في كل الأمور بفعلها
وضيائها وصلاحها وفسادها
ولينظر القارئ نظرة خاصة إلى قول علي بن شعيب:
انزعي الوشي فهو يستر حسنا
لم تحزه برقمهن الثياب
ودعيني عسى أقبل ثغرا
لذ فيه اللمى وطاب الرضاب
وعجيب أن تهجريني ظلما
وشفيعي إلى صباك الشباب
فإنا نجده تخطى كل الأسوار الصناعية التي يحيط بها الشعراء أغراضهم، ثم هجم على المعنى وأخذ بنواصيه، حين قال: «وشفيعي إلى صباك الشباب» ولم يقل: وشفيعي إلى صباك حبي وهيامي، ووجدي وغرامي، وخشوعي وخضوعي، إلى آخر ما يقول المتيمون!
وانظر قول محمد البطليوسي:
غصبوا الصباح فقسموه خدودا
واستنهبوا قضب الأراك قدودا
رأوا حصا الياقوت دون محلهم
فاستبدلوا منه النجوم عقودا
واستودعوا حدق المها أجفانهم
فسبوا بهن ضراغما وأسودا
لم يكفهم حمل الأسنة والظبا
حتى استعانوا أعينا ونهودا
وتضافروا بضفائر أبدت لنا
ضوء النهار بليلها معقودا
صاغو الثغور من الأقاحي بينها
ماء الحياء لو اغتدى مورودا
ويكاد هذا الشعر يكون عبادة للطبيعة، ولن يغيب على أحد ما فيه من سمو الخيال.
وانظر كيف يكون كمون الحتف في الجفون، وكمون الموت في السيوف، في قول السري الرفاء:
بنفسي من أجود له بنفسي
ويبخل بالتحية والسلام
ويلقاني بعزة مستطيل
وألقاه بذلة مستهام
وحتفي كامن في مقلتيه
كمون الموت في حد الحسام
ويجيد شعراء العرب حين يمزجون وصف الطبيعة بالمعاني الوجدانية فكأنما يريدون أن يشركوا الوجود في نعيمهم وبؤسهم، وهذا في ذاته ملحظ بديع، ولننظر قول صردر:
يقول خليلي والظباء سوانح
أهذي التي تهوى؟ فقلت نظيرها
لئن أشبهت أجيادها وعيونها
لقد خالفت أعجازها وصدورها
فيا عجبا منها يصد أنيسها
ويدنو على ذعر إلينا نفورها
وما ذاك إلا أن غزلان عامر
يثقن بأن الزائرين صقورها
ووالله ما أدري غداة نظرننا
أتلك سهام أم كئوس تديرها
فإن كن من نبل فأين حفيفها
وإن كن من خمر فأين سرورها