أن المضاجع مما ينبت الإبرا
والليل أطول من يوم الحساب على
عين الشجي إذا ما نومه نفرا
ومن المحبين من يخاطب الليل. فيذكر في خطابه أن بعض ما به كاف لمحو الليل لو عرض له، كقول سعيد بن حميد:
يا ليل بل يا أبد
أنائم عنك غد
يا ليل لو تلقى الذي
ألقى بها أو تجد
قصر من طولك أو
ضعف منك الجلد
أشكو إلى ظالمة
تشكو الذي لا تجد
وقف عليها ناظري
وقف عليها السهد
وأود لو تنبه القارئ إلى حسن هذا البيت:
أشكو إلى ظالمة
تشكو الذي لا تجد
وقد ذكر الفرزدق العلة في طول الليل فقال:
يقولون طال الليل والليل لم يطل
ولكن من يبكي من الشوق يسهر
وقد تابعه بشار في هذا المعنى فقال:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم
ونفى عني الكرى طيف ألم
وإذا قلت لها جودي لنا
خرجت بالصمت عن لا ونعم
نفسي يا عبد عني واعلمي
أنني يا عبد من لحم ودم
إن في بردي جسما ناحلا
لو توكأت عليه لانهدم
وقد ردد هذا المعنى في كلمة ثانية فقال:
طال هذا الليل بل طال السهر
ولقد أعرف ليلي بالقصر
لم يطل حتى جفاني شادن
ناعم الأطراف فتان النظر
لي في قلبي منه لوعة
ملكت قلبي وسمعي والبصر
وكأن الهم شخص ماثل
كلما أبصره النوم نفر
على أن بشارا يتخطى هذا الحد، فيجاري الشعراء، ويحسب أن ليس لليله نهار، وذلك في قوله:
أقول وليلتي تزداد طولا
أما لليل بعدهم نهار
جفت عيني عن التغميض حتى
كأن جفونها عنها قصار
وليس للبيت الثاني قيمة من الوجهة الأدبية؛ لأن الغمض لا يجفو العيون، لقصر الجفون، كما يقول، وإنما يجفوها لثورة الوجد، وهجمة الأشجان.
ويقول في كلمة ثانية:
خليلي ما بال الدجى لا تزحزح
وما لعمود الصبح لا يتوضح
أضل النهار المستنير طريقه
أم الدهر ليل كله ليس يبرح
وطال علي الليل حتى كأنه
بليلين موصول فما يتزحزح
والبيت الأخير يذكرني بقول صاحب البدائع:
وجن علي الليل حتى حسبته
جفاء كريم أو رجاء لئيم
وإن كان هذا في الحديث عن ظلام الليل، لا عن طوله.
وتروقني البساطة في قول سويد بن أبي كاهل:
وإذا ما قلت ليل قد مضى
عطف الأول منه فرجع
يسحب الليل نجوما ظلعا
فتواليها بطيئات التبع
والخيال هنا خيال بادية، ولكنه في بداوته بديع، وقول الآخر:
سلو مضجعي هل قر من بعد بعدكم
وهل عرفت طعم الرقاد جفوني
سهرنا بنعمان ونمتم ببابل
فما لعيون ما وفت لعيون
وهو يذكرني بقول بعض الأعراب:
لعمري لئن كنتم على النأي والغنى
بكم مثل ما بي إنكم لصديق
فما ذقت طعم النوم منذ هجرتكم
ولا ساغ لي بين الجوانح ريق
إذا زفرات الحب صعدن في الحشا
كررن فلم يعلم لهن طريق
ومما جمع بين الشكوى من ليل الفراق، وذكرى ليل الوصال قول عبد الرحمن بن هشام:
طال عمر الليل عندي
مذ تولعت بصدي
يا غزالا نقض العه
د ولم يوف بوعد
أنسيت العهد إذ بت
نا على مفرش ورد
واجتمعنا في وشاح
وانتظمنا نظم عقد
ونجوم الليل تحكي
ذهبا في لازورد
ومن الشعراء من لا يبالي طول الليل في غيبة الحبيب، كقول ابن زيدون:
يا ليل طل لا أشتهي
إلا لعهدي قصرك
لو بات عندي قمري
ما بت أرعى قمرك
وليالي القمر في سنتريس عذبة المذاق، شهية الورود، وما أحسب المصريين عبدوا النيل إلا حين رأوه يداعب القمر في ضواحي سنتريس، ذات الظلال والأفنان.
ليالي النيل واللذات ذاهبة
وجدي عليكن أشجاني فأضناني
لو يرجع الدهر لي منكن واحدة
في سنتريس ويدني بعض خلاني
إذن تبين دهري كيف يرحمني
من ظلم همي ومن عدوان أحزاني
وقد أجاد شعراء العصر وصف الأرق في الليل الطويل. فمن ذلك قول شوقي:
بدأ الطيف بالجميل وزارا
يا رسول الرضا وقيت العثارا
خذ من الجفن والفؤاد سبيلا
وتيمم من السويداء دارا
أنت إن بت في الجفون فأهل
عادة النور ينزل الأبصارا
زار والحرب بين جفني ونومي
قد أعد الدجى لها أوزارا
سألتني عن النهار جفوني
رحم الله يا جفوني النهارا
قلن نبكيه قلت هاتي دموعا
قلن صبرا فقلت هاتي اصطبارا
يا ليالي لم أجدك طوالا