تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليالي لا تنجو بنبلي خريدة

وإن عز حاميها وجم عديدها

إذا ما رمتني ذات دل رميتها

بعين لها منها مقيد يقيدها

على أنني لا أمنع أحدا من أن يسيء الظن بما كتبت منذ سنين، فإن الذي يطمع في معرفة النفس البشرية، لا يبخل بوضع نفسه على المشرحة، ليسهل عليه وعلى غيره التحليل، ومثله في ذلك مثل الطبيب المخلص لعلمه، لا يبخل بتضحية نفسه وهو يفحص صرعى السل والتيفوس، فهل يعقل هؤلاء الذين يطيعون أهواءهم، وشهواتهم، فينسون أنفسهم، ويسلقون إخوانهم بألسنة حداد؟

إن قليلا من الروية والأناة لكاف لسلامتنا من الزلل والعثار، حين الحكم على ما يعمل الناس وما يقولون.

4

وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل أسرف الكاتب حين هم بنشر مدامع العشاق في جريدة الصباح سنة 1922 وافتتحها بهذه الكلمة الجريئة، موجهة إلى إحدى العذارى.

قضي الأمر، وأصبحت حيا كميت، وموجودا كمعدوم! فما ضرني لو أذعت هذا الحب، وما أبقى هواك منى ما أسمع به ملاما أو أرى وجه عذول؟

على أن قلبي يحدثني بأن الإشادة بما بيننا من هوى قد تزيد حقد الحاقدين، وما إلى ردعهم سبيل! وأنت المعنية بهذا الإشفاق، أما أنا فما كنت لأرهب قوما لا سلاح لهم غير القيل والقال.

فليت رجالا فيك قد نذروا دمي

وهموا بقتلي يا بثين لقوني

إذا ما رأوني طالعا من ثنية

يقولون: من هذا! وقد عرفوني

وبعد فإنه لم يبق ما أسكن إليه في هذا الوجود غير حديث الحب، وبلايا المحبين، وقد رأيت أن أساير شعراء العرب في أعذب ما جرى على ألسنتهم: وهو النسيب، وأن أبدأ ذلك بما انتهوا إليه، وهو الحديث عن الدموع، وما لها من سبب قريب أو بعيد، حتى إذا هدأت ثورة القلب بعد هذا الدمع المسفوح، عدت فصاحبت الشعراء، وذكرت كيف فتكت بهم النظرة الأولى، وبينت مهوى عيونهم، ومصرع قلوبهم، بين الخدود الفواتن، والعيون الفواتك، ولن أتحرج من ذكر ما كان من الوقائع بين الخصر النحيل، والردف الثقيل، وعلي وحدى إثم الفتنة التي ستقيمها هذه الأبحاث الشائقة في صدور الشباب والكهول، ولمن شاء السلامة من القراء أن يكف منذ الآن عن قراءة هذا الحديث.

نصحتك علما بالهوى، والذي أرى

مخالفتي، فاختر لنفسك ما يحلو

5

وهذا خطاب أقل ما يؤخذ عليه أنه لا يوجه إلى فتاة، فضلا عما فيه من المجازفة، في حمل إثم الآثمين، وفتك الفاتكين، ولقد آذتني آثامي، فكيف أحمل آصار الناس!

ولم يمر ذلك الخطاب بدون أن تضح له إحدى الجرائد الأسبوعية، وبدون أن ينالني أحد الكتاب بلسان حديد، فكتبت في الرد عليهم هذه الكلمة القاسية:

في مصر قوم لا يعرفون من الجد غير الغطرسة والكبرياء، والكاتب الجاد في نظرهم هو الرجل السليط، الذي يخيل إليه كما كتب: أنه قسيس في كنيسة حافلة، أو خطيب في مسجد جامع، فهو مسئول عن سرد الرذائل وعد المنكرات! فأما الكاتب المفتون بما أودع الله هذا العالم من روائع الحسن، وبدائع الجمال، فهو في رأيهم كاتب ماجن خليع!

ولا أدرى بماذا يجيب هؤلاء لو سألتهم من خلق هذه الصور الجميلة، التي طارت بألباب الشعراء؟ وصيرتهم في كل واد يهيمون؟ أتراهم يقولون إنها من خلق الله، أم من خلق الشيطان؟ فإذا كانت من خلق الله، فلم ينكرون علينا أن نتغنى بصنعه البديع؟ وإن كانت من خلق الشيطان، فلم لا يمحون الحسن من وجوه الحسان؛ لأنه من عمل الشيطان الرجيم؟

آمنت بالله وكفرت بما لهم من منطق مقلوب!

يريد جماعة ممن أظلمت الدنيا في وجوههم، وعموا عن صنع الله الذي أتقن كل شيء، ماذا يريدون؟ إنهم يريدون أن أجاريهم في عمايتهم، وأن أسايرهم في جهالتهم، فلا أكتب في غير ما يروقهم من ذم الدنيا، والتبرم بالوجود! ولكني عرفت ما لم يعرفوا من «أفنان الجمال» في هذه الدنيا البديعة التي حملت الغزالي على أن يصرح بأن ليس بالإمكان أبدع مما كان، فعدت خليقا بحمد الحسن، والتقديس له، كلما أمعنوا هم في الجحود!

مدامع العشاق · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٣