تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أردد ويلي، لو قضى الويل حاجة

وأكثر لهفي، لو شفا غلة لهف

ضنى في الهوى كالسم في الشهد كامنا

لذذت به جهلا وفي اللذة الحتف

وكان الأبيوردي يمثل وجده بوجد الظبية تترك ولدها في طلب الكلأ ثم تعود سريعة إلى لقائه فتجده مات. وإليك من شعره هذه اللؤلؤة الفتانة:

وما أم ساجي الطرف مال به الكرى

على عذبات الجزع تحسبه قلبا

تراعي بإحدى مقلتيها كناسها

وترمي بأخرى نحوه نظرا غربا

فلاح لها من جانب الرمل مرتع

كأن الربيع الطلق ألبسه عصبا

فمالت إليه والحريص إذا غدت

به سورة الأطماع لم يحمد العقبى

وآنسها المرعى الخصيب فصادفت

مدى العين في أرجائه بلدا خصبا

فلما قضت منه اللبانة راجعت

طلاها فألفته قضى بعدها نحبا

أتيح له عاري السواعد لم يزل

يخوض إلى أوطاره مطلبا صعبا

فولت على ذعر وبالنفس ما بها

من الكرب لا لقيت في حادث كربا

بأوجد مني يوم عجت ركابها

لبين فلم تترك لذي صبوة لبا

وهذه الصورة الشعرية كثيرة الأمثال في الآداب القديمة، وإنما نسبناها إلى الأبيوردي لأنه يرددها في شعره، فمن ذلك قوله في كلمة ثانية:

وما مغزل تعطو الأراك يهزه

نسيم تناجيه الخمائل وان

1

وتزجي بروقيها أغن كأنه

من الضعف يطوي الأرض بالرسفان

2

فمال إلى الظل الأراكي دونها

وكانا به من قبل يرتديان

وصبت عليه الطلس وهي سواغب

تجوب إليه البيد بالنسلان

3

فعادت إليه أمه وفؤادها

هفا كجناح الصقر في الخفقان

وظلت على الجرعاء ولهى كئيبة

وقد سال واديها بأحمر قان

تسوف الثرى طورا ويعبث تارة

بها أولق من شدة الولهان

4

بأوجد مني يوم سرت إلى الحمى

وقد نزلت سمراء سفح أبان

5

ونحب أن نلفت القارئ إلى ما في أمثال هذه الصور الشعرية من الكلف بتصوير الطبيعة، وما فيها من حياة الحيوان، فقد أغرم شعراء الغرب بهذا الأسلوب، فزاد شعرهم جمالا إلى جمال. ولولا الرغبة في الإيجاز لنقلت قطعة من شعر (ألفريد دي ميسيه) تماثل شعر الأبيوردي في هذا الجانب من البيان. والناس هم الناس، في كل قطر، وفي كل جيل، والتباين قليل في الميول، وفي تذوق ألوان الحياة، وإن عظم الفرق حينا في التعبير عن نزعات النفوس، وشهوات العقول.

ومن خالد الشعر في ثورة الوجد نونية الوزير ابن زيدون، وقد رأينا أن نثبتها هنا كاملة - كما فعل المقري صاحب نفح الطيب - لأنها ذكرت مفرقة في أكثر المؤلفات:

أضحى التنائي بديلا من تدانينا

وناب عن طبيب لقيانا تجافينا

من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم

حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا

أن الزمان الذي قد كان يضحكنا

أنسا بقربهم قد عاد يبكينا

غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا

بأن نغص فقال الدهر آمينا

فانحل ما كان معقودا بأنفسنا

وانبت ما كان موصولا بأيدينا

بالأمس كنا وما يخشى تفرقنا

فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا

يا ليت شعري ولم نعتب أعاديكم

هل نال حظا من العتبى أعادينا

6

لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم

رأيا ولم نتقلد غيره دينا

كنا نرى اليأس تسلينا عوارضه

وقد يئسنا، فما لليأس يغربنا

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا

شوقا إليكم ولا جفت مآقينا

نكاد حين نناجيكم ضمائرنا

يقضي علينا الأسى، لولا تأسينا

7

حالت لبعدكم أيامنا فغدت

سودا وكانت بكم بيضا ليالينا

إذ جانب العيش طلق من تألفنا

ومورد اللهو صاف من تصافينا

وإذ هصرنا فنون الوصل دانية

قطوفها فجنينا منه ما شينا

ليسق عهدكم عهد السرور فما

كنتم لأرواحنا إلا رياحينا

لا تحسبوا نأيكم عنا بغيرنا

إذ طالما غير النأي المحبينا

والله ما طلبت أهواؤنا بدلا

منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا •••

يا ساري البرق غاد القصر فاسق به

من كان صرف الهوى والود يسقينا

واسأل هنالك هل عنى تذكرنا

إلفا تذكره أمسى يعنينا

8

ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا

من لو على البعد حيا كان يحيينا

وبيت ملك كأن الله أنشأه

مسكا وقد أنشأ الله الورى طينا

أو صاغه ورقا محضا وتوجه

من ناصع التبر إبداعا وتحسينا

مدامع العشاق · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٣٦