تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الذي غمر الرقاد وساده

لم يدر كيف نبا علي وسادي

ولقد بعثت من الدموع إليكم

بركائب ومن الزفير بحادي

لولا هواك لما ذللت وإنما

عزي يعيرني بذل فؤادي

وهكذا يجمع الشريف الرضي بين العزة القرشية، والذلة العذرية؛ فهو عزيز ذليل! وللبحتري حوار لطيف في هذا الباب، فمن ذلك قوله:

صلي مغرما قد واتر الشوق دمعه

سجاما على الخدين بعد سجام

فليس الذي حللته بمحلل

وليس الذي حرمته بحرام

وقد ردد هذا المعنى في موطن آخر فقال:

ألام على هواك وليس عدلا

إذا أحببت مثلك أن ألاما

فقد حرمت من وصلي حلالا

وقد حللت من هجري حراما

ولا يسعني وقد أسرف البحتري في ذكر الحرام والحلال، إلا الرجاء في أن ينصف هذا المظلوم يوم يقوم الحساب. وقد رق شعر العباس بن الأحنف حين يقول:

أما استوجبت عيني فديتك نظرة

إليك وقد أبكيتها حججا عشرا

لعمري لئن أقررت عيني بنظرة

إليك لقد عذبتها بالبكا دهرا

ويقرب من هذا قوله من كلمة ثانية:

جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى

وفاضت له من مقلتي غروب

وما ذاك إلا حين أيقنت أنه

يمر بواد أنت منه قريب

يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى

إليكم تلقى طيبكم فيطيب

أيا ساكني أكناف دجلة كلكم

إلى القلب من أجل الحبيب حبيب

وقد تلطف ابن التعاويذي في شكوى حاله إلى من يهوى بقوله:

يا موحش العين التي

أنست بطول بكائها

غادرت بين جوانحي

نفسا تموت بدائها

تشتاق عيني أن ترا

ك وأنت في سودائها

فإذا بخلت بنظرة

سمحت بجمة مائها

ومن مبتدعات المتأخرين في هذا المعنى قول بعض الشعراء:

وقلت شهودي في هواك كثيرة

وأصدقها قلبي ودمعي مسفوح

فقال شهود ليس يقبل قولها

فدمعك مقذوف وقلبك مجروح

وهو كلام قد يطمئن له الفقهاء والمحدثون، لطول ما يبحثون في القذف والتجريح، وما أغنى الشعر عن تفسير أولئك وتأويل هؤلاء! •••

وقد يتوسل المحب بفنائه في الوجد، ومن شعراء العصر من أجاد هذا المعنى، كصاحب البدائع حين يقول:

يا أهل أسيوط لا زلتم بعافية

وإن تمرد في وجدي بكم دائي

أسلمتموني لدهري بعد ما بليت

من قسوة الصد والتبريح أحشائي

فلو أتت ظبية الحمراء غازية

قلبي لما وجدته غير أشلاء

1

يا ويح نفسي، أتنسوني وأذكركم

مقرح الجفن في صبح وإمساء •••

إن الذين بأمر الحب قد ملكوا

لم يتقوا الحب في ضري وإيذائي

لم يدنني الشوق يوما من منازلهم

إلا تولوا مع الأيام إقصائي

كم رحت أحمل آمالي لحيهم

وعدت أحمل آلامي وأرزائي

يا لوعة القلب لا شكواي نافعة

ولا بكاي بشاف مس ضرائي

أبيت أندب عهدا مر طيبه

كلمحة البرق في أعطاف ظلماء

وأرسل الزفرة الحراء لافحة

كوقدة الجمر في أجسام قصباء •••

يا من يعز علينا أن نجازيهم

صدا بصد وإغضاء بإغضاء

لو ترحمون وصلتم شيقا كلفا

ألقى جفاكم عليه ألف بأساء

| ثورة الوجد

نذكر هنا طرفا من الشعر الموجع، الذي يمثل ثورة الوجد، ولوعة الأسى، فمن ذلك قول أبي تمام:

سقيم لا يموت ولا يفيق

قد أقرح جفنه الدمع الطليق

شديد الحزن يحزن من يراه

أسير الصبر ناظره أريق

ضجيع صبابة وحليف شوق

تحمل قلبه ما لا يطيق

يظل كأنه مما احتواه

يسعر في جوانبه الحريق

وأي حال أدعى للرحمة، وأوجب للإشفاق، من حال هذا المحب السقيم، الذي لا يموت ولا يفيق، والذي يحزن من يراه؛ لصبره الأسير، وناظره الأريق والذي حالف في ضعفه الشوق، وضاجع الصبابة، حتى لكأنه مما به، تسعر النار في ضلوعه.

ويقرب من هذا قول ابن الرومي في فراق اثنين من خلانه:

لم يسترح من له عين مؤرقة

وكيف يعرف طعم الراحة الأرق

محمد وعلي فتتا كبدي

إذا ذكرتهما والعيس تنطلق

خلان حل بقلبي من فراقهما

ما كنت أحذر منه قبل نفترق

قلب رقيق تلظت في جوانبه

نار الصبابة حتى كاد يحترق

وددت لو تم لي حجي بقربهما

ما كل ما تشتهيه النفس يتفق

ومما يمثل ثورة الوجد في الصدر، مع الغيظ مما جنت يد الليالي، قول المتنبي:

أكيدا لنا يا بين واصلت وصلنا

فلا دارنا تدنو ولا عيشنا يصفو

مدامع العشاق · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٣٥