تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما شجاني وقد ودعوا

بكاء الحمام على ساقها

تنوح على بعد ألافها

وتظهر مكنون أشواقها

لبسن حدادا ومزقنه

فلم تدخر غير أزياقها

وضاقت صدورا بأنفاسها

ففضت مجامع أطواقها

وقد نزفت في الهوى دمعها

فلم يبق ماء بآماقها

ولم يكثر الشعراء الحديث عن غناء الكروان، ويظهر أنهم لم يتمتعوا بأغانيه الجميلة على ضفاف النيل في سنتريس، والدهر كله فداء للحظة واحدة من الأصائل، أو العشيات، أو الأسحار، في مغاني سنتريس.

ويعجبني في وصف الكروان قول الأستاذ عباس العقاد:

يا محيي الليل البهيم تهجدا

والطير آوية إلى الأوكان

يحدو الكواكب وهو أخفى موضعا

من نابغ في غمرة النسيان

قل يا شبيه النابغين إذا دعوا

والجهل يضرب حولهم بجران

كم صيحة لك في الظلام كأنها

دقات صدر للدجنة حان

خفاقة النغمات تطفر في الدجى

فوق النسائم طفرة النشوان

هن اللغات ولا لغات سوى التي

رفعت بهن عقيرة الوجدان

إن لم تقيدها الحروف فإنها

كالوحي ناطقة بكل لسان

أغنى الكلام عن المقاطع واللغى

بث الحزين وفرحة الجذلان

إني لأسمع منك إذ ناديتني

معنى يقصر عنه كل بيان

أصغي إليك إذا هتفت وفي يدي

سفر يغرد صامت الأوزان

شعر الطيور ولا رياء يشوبه

يذري ببدع قصائد الإنسان

يا ساليا يشكو ويصدح وحده

علم سميرك راحة السلوان

ومن خير ما وصفت به الحمامة من ناحية الخلقة الجميلة، قول بعض الأعراب:

وقبلي أبكى كل من كان ذا هوى

هتوف البواكي والديار البلاقع

وهن على الأطلال من كل جانب

نوائح ما تخضل منها المدامع

1

مزبرجة الأعناق غر ظهورها

مخطمة بالدر خضر روائع

2

ترى طررا بين الخوافي كأنها

حواشي برد زينتها الوشائع

3

ومن قطع الياقوت صيغت عيونها

خواضب بالحناء منها الأصابع

ويعجبني خطاب عبد البر بن فرسان الغساني لطائر مغرد ضم أفراخه إليه:

أعدهن ألحانا على سمع معرب

يطاوح مرتاحا على القضب معجما

وطر غير مقصوص الجناح مرفها

مسوغ أشتات الحبوب منعما

مخلى وأفراخا بوكرك نوما

ألا ليت أفراخي معي كن نوما

وقد أبدع الرصافي شاعر الأندلس حين تغنى يوما من أيام شبابه وقد خلا فيه بمن يهوى في روضة لم يشاركهم في سكناها غير الهديل، وأبياته الآتية غاية من غايات الحسن في وصف الشمس وهي تجنح للغروب:

وعشي رائق منظره

قد قطعناه على صرف الشمول

وكأن الشمس في أثنائه

ألصقت بالأرض خدا للنزول

والصبا ترفع أذيال الربا

ومحيا الجو كالسيف الصقيل

حبذا منزلنا مغتبقا

حيث لا يطرقنا غير الهديل

طائر شاد وغصن منثن

والدجى تشرب صهباء الأصيل

ومما يقرب من هذا الباب وليس منه قول القاضي أبي حفص القرطبي:

هم نظروا لواحظها فهاموا

وتشرب لب شاربها المدام

يخاف الناس مقلتها سواها

أيذعر قلب حامله الحسام

سما طرفي إليها وهو باك

وتحت الشمس ينسكب الغمام

وأذكر قدها فأنوح وجدا

على الأغصان ينتحب الحمام

وأعقب بينها في الصدر غما

إذا غربت ذكاء أتى الظلام

| التقرب بالدموع

خير ما تقرب به المحب إلى حبيبه دمع مسفوح، وقلب مجروح، ووجد مشبوب، وصبر مغلوب. والتقرب بالدمع نوع من الاستعطاف تغزى به قلوب الحسان، ومن طريفه قول الأبيوردي:

أشكو الهوى لترقي يا أميمة لي

فطالما رفق المشكو بالشاكي

يشقى بعضي ببعضي في هواك فما

للعين باكية والقلب يهواك

وهذا المعنى غير معروف عند العرب؛ فهم يرون بكاء العين من فضل حزن الفؤاد، حتى ليقولون: نعمت العين، وشقي القلب، ولكن الأبيوردي عكس المعنى، فجعل نعيم القلب في الهوى، وعذاب العين في البكاء، ثم قال:

إن يحك ثغرك دمعي حين أسفحه

فإنني جدت للمحكي بالحاكي

ما كنت أحسب أن الدر مسكنه

يكون جيدك أو عيني أو فاك

وأوضح من هذا وأجمل قول الشريف:

أهون بما حملتنيه من الضنى

لو أن طيفك كان من عوادي

ولقلما زار الخيال بمقلة

روعاء نافرة بغير رقاد

ما تلتقي الأجفان منها ساعة

وإذا التقت فلغض دمع باد

لا يبعدن قلبي الذي خلفته

وقفا على الإتهام والإنجاد

مدامع العشاق · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٣٤