ومن الشعراء من يقارن بينه وبين الحمامة الباكية، فيذكر أنها تبكي بلا دمع، وأن إلفها منها قريب، كما قال أبو محلم الشيباني من قصيدة اقترحها عليه طاهر بن الحسين، وقد كبرت سنه، وطالت غربته:
وأرقني بالري نوح حمامة
فنحت وذو الشجو الغريب ينوح
على أنها ناحت ولم تذر دمعة
ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما
ومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر
وغصنك مياد ففيم تنوح
أفق لا تنح من غير شيء فإنني
بكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعا فشطت غربة دار زينب
فها أنا أبكي والفؤاد جريح
ومما يجدر أن يكون «صورة شعرية» في وصف الحمامة الباكية قول الطغرائي:
أيكية صدحت شجوا على فنن
فأشعلت ما خبا من نار أشجاني
ناحت وما فقدت إلفا ولا فجعت
فذكرتني أوطاري وأوطاني
طليقة من إسار الهم ناعمة
أضحت تجدد وجد الموثق العاني
تشبهت بي في وجدي وفي طربي
هيهات ما نحن في الحالين سيان
ما في حشاها ولا في جفنها أثر
من نار قلبي ولا من ماء أجفاني
يا ربة البانة الغناء تحضنها
خضراء تلتف أغصانا بأغصان
إن كان نوحك إسعادا لمغترب
ناء عن الأهل ممنو بهجران
فقارضيني إذا ما اعتادني طرب
وجدا بوجد وسلوانا بسلوان
أو لا فقصرك حتى أستعين بمن
يعنيه شأني ويأسو كلم أحزاني
ما أنت مني ولا يعنيك ما أخذت
مني الهموم ولا تدرين ما شاني
كلي إلى الغيم إسعادي فإن له
دمعا كدمعي وإرنانا كإرناني
وهذه القصيدة من أبدع ما قال الشعراء في الحمائم الشاديات. وهي أنموذج لملاحة التقسيم، وبراعة التصوير، وحلاوة التعبير، ويقرب منها قول ديك الجن:
حمائم ورق في حمى ورق خضر
لها مقل تجري الدموع ولا تجري
تكلفن إسعاد الغريبة إن بكت
وإن كن لا يدرين كيف جوى الصدر
لها حرق لو أن خنساء أعولت
بهن لأدت حق صخر إلى صخر
فقلت لنفسي ها هنا طلب الأسى
ومعدنه إن فاتني طلب الصبر
وقد يحسن لفت النظر إلى الخرافة القديمة في نوح الحمام: فإن العرب يذكرون أنه كان لهن ملك في عهد نوح يسمى (الهديل) فهن يبكينه إلى الآن! وهو المعني بقول نصيب:
لقد راعني للبين نوح حمامة
على غصن بان جاوبتها حمائم
هواتف أما من بكين فعهده
قديم وأما شجوهن فدائم
وممن ذكر الهديل حميد بن ثور في هذه الأبيات الحسان:
إذا نادى قرينته حمام
جرى لصبابتي دمع سفوح
يرجع بالدعاء على غصون
هتوف بالضحى غرد فصيح
هفا لهديله مني إذا ما
تغرد ساجعا قلب قريح
فقلت حمامة تدعو حماما
وكل الحب نزاع طموح
قال أبو بكر بن دريد: خرجنا من عمان في سفر لنا، فنزلنا في أصل نخلة، فنظرت فإذا فاختتان تزقوان في فرعها، فقلت:
أقول لورقاوين في فرع نخلة
وقد طفل الإمساء أو جنح العصر
وقد بسطت هاتي لتلك جناحها
ومال على هاتيك من هذه النحر
ليهنكما أن لم تراعا بفرقة
وما دب في تشتيت شملكما الدهر
فلم أر مثلي قطع الشوق قلبه
على أنه يحكي قساوته الصخر
ومن جيد الشعر في الموازنة بين العاشق وبين الحمامة الشادية قول ابن سنان الخفاجي:
أتظن الورق في الأيك تغنى
أنها تضمر حزنا مثل حزني
لا أراك الله نجدا بعدها
أيها الحادي بها إن لم تجبني
هل تباريني إلى بث الجوى
في ديار الحي نشوى ذات غصن
هب لنا الشبق ولكن زادنا
أننا نبكي عليها وتغني
يا زمان الخيف هل من عودة
يسمح الدهر بها من بعد ضن
أرضينا بثنيات اللوى
عن زرود يا لها صفقة غبن
وقد ينكر الشاعر على الحمامة أن تشكو الفراق، وهي كثيرة الألاف، وحالية بالطوق والخضاب، كقول ابن سنان صاحب الأبيات السالفة:
وهاتفة في البان تملي غرامها
علينا وتتلو من صبابتها صحفا
عجبت لها تشكو الفراق جهالة
وقد جاوبت من كل ناحية إلفا
ويشجي قلوب العاشقين حنينها
وما فهموا مما تغنت له حرفا
ولو صدقت فيما تقول من الأسى
لما لبست طوقا ولا خضبت كفا
ولكن الأرجاني يصفها بصدق اللوعة، فيذكر أنها مزقت أثواب الحداد، وأن صدورها ضاقت بأنفاسها ففضت مجامع الأطواق وأنها نزفت دمعها وأفنته بطول البكاء، وذلك في قوله: