أضنى الفؤاد فمن يريحه
وحمى الرقاد فمن يبيحه
ونضا من الأجفان سي
فا قلما يبقى جريحه
نشوان من خمر الدلا
ل غبوقه وبها صبوحه
والذي يعنينا الآن شرح مواقفه في العتاب، لأنها تمثل الروح المصرية، وما لها من السماحة المصحوبة بالشمم والإباء، فحينا ينفي ما ذاع من سلوه، حتى هجره أحبابه، فيقول:
يا هاجرين وحقكم
هونتم ما لا يهون
قلتم فلان قد سلا
ما كان ذاك ولا يكون
وحياتكم وهي التي
ما مثلها عندي يمين
ما خنت عهدكم كما
زعم الوشاة ولا أخون
يا من يظن بأنني
قد خنته غيري الخئون
لو صح ودك صح ظن
ك بي وبان لك اليقين
يا قلب بعض الناس كم
تقسو علي وكم ألين
يا ويلتاه لمن يخا
طب أو لمن يشكو الحزين
قد ذل من كان المعي
ن له هو الدمع المعين
وحينما يمزج العتاب بالشكوى فيقول:
يا أعز الناس عندي
كيف خنت اليوم عهدي
سوف أشكو لك بعدي
فعسى شكواي تجدي
أين مولاي يراني
ودموعي فوق خدي
أقطع الليل أقاسي
ما أقاسي فيه وحدي
ليتني عندك يا مولا
ي أو ليتك عندي
ثم يترفق في شكواه وأمانيه، فيقول:
من لي بقلب أشتري
ه من القلوب القاسيه
إني لأطلب حاجة
ليست عليك بخافيه
أنعم علي بقبلة
هبة وإلا عارية
وأعيدها لك لا عدم
ت بعينها وكما هيه
وإذا أردت زيادة
خذها ونفسي راضيه
فعسى يجود لنا الزما
ن بخلوة في زاويه
أو ليتني ألقاك وح
دك في طريق خاليه
وهذه غاية الغايات في رقة النجوى ولطف العتاب، ولكن البها زهير كما قلنا مصري الروح، فهو في رقته غضوب؛ ألم تر إليه وقد تبدل من يهوى، فرماه بهذه الصاعقة:
يا من تبدل في الهوى
يهنيك صاحبك الجديد
إن كان أعجبك الصدو
د كذاك أعجبني الصدود
واعلم بأني لا أري
د إذا رأيتك لا تريد
وأنا القريب فإن تغي
ر صاحبي فأنا البعيد
وقد أوضح هذا المعنى ووفاه في الكلمة الآتية:
سأعرض عمن راح عني معرضا
وأعلن سلواني له وأشيعه
وأحجب طرفي عنه فهو رسوله
وأحجب قلبي عنه فهو شفيعه
وكيف ترى عيني لمن لا يرى لها
ويحفظ قلبي في الهوى من يضيعه
وأقسمت لا تجري دموعي على امرئ
إذا كان لا تجري علي دموعه
فلو خان طرفي ما حوته جفونه
ولو خان قلبي ما حوته ضلوعه
وأوضح من هذا قوله من كلمة ثانية:
هو حظي قد عرفته
لم يحل عما عهدته
فإذا قصر من أهوا
ه في الحب عذرته
غير أني لي في الح
ب طريق قد سلكته
لو أراد البعد عني
نور عيني ما تبعته
إن قلبي وهو قلبي
لو تجنى ما صحبته
كل شيء من حبيبي
ما خلا الغدر احتملته
أنا في الحب غيور
ذاك خلقي لا عدمته
أبصر الموت إذا أبص
ر غيري من عشقته
| نوح الحمام
لقد ألممنا إلمامة قصيرة بنوح الحمام عند أسباب المدامع، واليوم نفصل مذاهب الشعراء في هذا الباب: فمنهم من يحن إلى الحمائم الشادية، ويتمنى لو عدن إليه، فإذا عدن أسلمنه إلى البكاء، كما قال المجنون:
ألا يا حمامات اللوى عدن عودة
فإني إلى أصواتكن حزين
فعدن فلما عدن كدن يمتنني
وكدت بأشجاني لهن أبين
فلم تر عيني مثلهن بواكيا
بكين ولم تذرف لهن عيون
ومن الشعراء من يذكر أن الحمائم الباكية تبعث الهوى في قلب الخلي، فكيف بالشجي، وأن أنغامها ليست دموعا ولكنها أمضى من الدموع، كما قال أبو تمام:
بعثن الهوى في قلب من ليس هائما
فقل في فؤاد رعنه وهو هائم
لها نغم ليست دموعا فإن علت
مضت حيث لا تمضي الدموع السواجم
ومنهم من يستريح إلى نوح الحمام، ويراه تداويا من الداء بنفس الداء، كقول ابن عبد ربه:
فكيف ولي قلب إذا هبت الصبا
أهاب بشوق في الضلوع دفين
ويهتاج منه كلما كان ساكنا
دعاء حمام لم تبت بوكون
وإن ارتياحي من بكاء حمامة
كذي شجن داويته بشجون
كأن حمام الأيك لما تجاوبت
حزين بكى من رحمة لحزين
ويسمون الحمامة «مطوقة» لطوقها المخضب الجميل، كما قال ابن عبد ربه:
ونائح في غصون الأيك أرقني
وما عنيت بشيء ظل يعنيه
مطوق بخضاب ما يزايله
حق تزايله إحدى تراقيه
قد بات يشكو بشجو ما دريت به
وبت أشكو بشجو ليس يدريه