أتظنني أضمرت بعدك سلوة
هيهات عطفك من سلوي أقرب
قد كنت تنصفني المودة راكبا
في الحب من أخطاره ما أركب
فاليوم أقنع أن يمر بمضجعي
في النوم طيف خيالك المتأوب
وهو أيضا صاحب هذه القطعة التي تمثل الوجد الدفين:
يا نازحا ليس يدنو
وعاتبا ليس يرضى
يا واجدا وديوني
في حبه ليس تقضى
أمرت عيني ففاضت
ومضجعي فأقضا
ارقد هنيئا فإني
ما ذقت بعدك غمضا
ومن الظلم للعواطف أن لا نفصل مذهب العباس بن الأحنف في العتاب، فإن شعره آية الآيات في الشكوى من الهجر، والتوجع من الصدود، وهو مع هذا يعد أيام الهجر أحسن أيامه، ويقول:
وأحسن أيام الهوى يومك الذي
تروع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا
فأين حلاوات الرسائل والكتب
ولكن هذا أمل بعيد، فليس كل عتب تدور فيه رسائل الحب، وصحف الهوى، وكذلك رزئ ابن الأحنف بمن ينبذ كتبه، ويمزق رسائله، وفي هذا المعنى قرأنا له هذه القطعة الباكية:
وصالك مظلم فيه التباس
وعندك لو أردت له شهاب
وقد حملت من حبيك ما لو
تقسم بين أهل الأرض شابوا
أفيقي من عتابك في أناس
شهدت الحظ من قلبي وغابوا
يظن الناس بي وبهم وأنتم
لكم صفو المودة واللباب
وكنت إذا كتبت إليك أشكو
ظلمت وقلت ليس له جواب
فعشت أقوت نفسي بالأماني
أقول لكل جامحة إياب
وصرت إذا انتهى مني كتاب
إليك لتعطفي نبذ الكتاب
وأن الود ليس يكاد يبقى
إذا كثر التجني والعتاب
خفضت لمن يلوذ بكم جناحي
وتلقوني كأنكم غضاب
وقد أكثر ابن الأحنف من التوجع لحرمانه من كتب من يهوى، وهو صاحب هذا البيت الحزين:
ويقنعني ممن أحب كتابه
ويمنعنيه، إنه لبخيل!
وكثيرا ما يميل ابن الأحنف إلى الصفح الجميل، إذ يرى العتاب لا يعطف القلوب، إن لم تضمر الحنان. وقد أفصح عن ذلك في هذه الأبيات:
أنكر الناس ساطع المسك من دج
لة قد أوسع المشارع طيبا
فهمو يعجبون منه وما يدرو
ن أن قد حللت منه قريبا
قاسميني هذا البلاء وإلا
فاجعلي لي من التعزي نصيبا
إن بعض العتاب يدعو إلى العت
ب ويؤذي به المحب الحبيبا
وإذا ما القلوب لم تضمر العط
ف فلن يعطف العتاب القلوبا
وما أجمل العزة في قوله:
خفضت لمن يلوذ بكم جناحي
وتلقوني كأنكم غضاب
وقوله:
خفضت طرفي لأدنى من يلوذ بكم
حتى احتقرت وما مثلي بمحتقر
وأي كريم لم يلق مثل هذه الذلة في سبيل الصبابة؟ ومتى عرف الهوى قيمة العزة في نفوس الأعزاء، فعصمها عن مدارة قوم يحيطون بالجمال، إحاطة الأشواك بالورود؟
وقد ترى ابن الأحنف يائسا من نفع العتاب، فنقرأ له هذه الأبيات في التبرم بالسكوت:
سكوتي بلاء لا أطيق احتماله
وقلبي ألوف للهوى غير نازع
فأقسم ما تركي عتابك عن قلى
ولكن لعلمي أنه غير نافع
وإني إذا لم ألزم الصبر طائعا
فلا بد منه مكرها غير طائع
إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعة
فلا خير في ود يكون بشافع
وربما رأيناه زاهدا في العتاب، لأن محبوبته لا تصد صد العاتب، بل صد الملول وذلك قوله:
لو كنت عاتبة لسكن لوعتي
أملي رضاك وزرت غير مراقب
لكن مللت فلم تكن لي حيلة
صد الملول خلاف صد العاتب
ما ضر من قطع الرجاء ببخله
لو كان عللني بوعد كاذب
على أن ابن الأحنف لم يقض كل حياته في هذا العذاب، بل رأيناه يعجب بنصره في الحب، وقهره لقلوب الحسان، أليس سعيدا من يقول:
يا رب جارية أسلبت عبرتها
من رقة ولغيري قلبها قاسي
كم من كواعب ما أبصرن خط يدي
إلا تمنين أن يأكلن قرطاسي
وكان البها زهير، أحد وزراء مصر في أيامها الخوالي، من أرق الشعراء في العتاب، حتى لتحسب شعره نجوى بين المحب والحبيب، أو رنين الحلى عند عناق الحسان، أو خفوق الأمل في قلب اليائس المحزون. انظر إلى اعتذاره عن محبوبه، ورضاه عما جنت يد الدلال يسكر به المعشوق الجميل:
مولاي من سكر الدلا
ل عبثت والسكران عابث
ونكثت عهدا في الهوى
ما خلت أنك فيه ناكث
لك لا أشك قضية
أنا سائل عنها وباحث
وقد يكثر في شعر البها زهير وصف الدلال وما له من النشوة والسكر، فنراه في موطن آخر يقول: