أفي الحق أني قد قضيت ديونكم
وأن ديوني باقيات كما هيا
فوا أسفي، حتام أرعى مضيعا
وآمن خوانا وأذكر ناسيا
وما زال أحبابي يسيئون عشرتي
ويجفونني حتى عذرت الأعاديا
والبيت الأخير يذكرنا بقول أبي تمام:
أحبابه لم تفعلون بقلبه
ما ليس يفعله به أعداؤه
وقد بسط الأرجاني هذا المعنى فقال:
أأحبابنا كم تجرحون بهجركم
فؤادا يبيت الليل بالهم مكمدا
إذا رمتم قتلي وأنتم أحبة
فما الذي أخشى إذا كنتم عدا
سأضمر في الأحشاء منكم تحرقا
وأظهر للواشين عنكم تجلدا
وأمنع عيني اليوم أن تكثر البكا
لتسلم لي حتى أراكم بها غدا
ومن هؤلاء المساكين الذين لا يجدون حيلة غير تذكير أحبابهم بقصر الحياة أبو صخر الهذلي في هذه الأبيات الموجعة:
بيد الذي شغف الفؤاد بكم
تفريج ما ألقى من الهم
قد كان صرم في الممات لنا
فعجلت قبل الموت بالصرم
ولما بقيت ليبقين جوى
بين الجوانح مضرع جسمي
فتعلمي أن قد كلفت بكم
ثم افعلي ما شئت عن علم
وما ذكرت هذه المعاني المحزنة إلا تغنيت بهذا البيت الذي لا أراه إلا زفرة تتصعد، أو عبرة تتدفق:
وأرى الأيام لا تدني الذي
أرتجي منك وتدني أجلي!
ومن الشعر الممتع في وصف الحيرة، يرمى بها المحب العميد، قول الشريف يعاتب حبيبا أغراه بالحب، ثم أصلاه الصدود:
يا صاحب القلب الصحيح أما اشتفى
ألم الجوى من قلبي المصدوع
أأسأت بالمشتاق حين ملكته
وجزيت فرط نزاعه بنزوع
هيهات لا تتكلفن لي الهوى
فضح التطبع شيمة المطبوع
كم قد نصبت لك الحبائل طامعا
فنجوت بعد تعرض لوقوع
وتركتني ظمآن أشرب غلتي
أسفا على ذاك اللمى الممنوع
قلبي وطرفي منك هذا في حمى
قيظ وهذا في رياض ربيع
كم ليلة جرعته في طولها
غصص الملام ومؤلم التقريع
أبكى ويبسم والدجى ما بيننا
حتى أضاء بثغره ودموعي
تفلي أنامله التراب تعللا
وأناملي في سني المقروع
قمر إذا استخجلته بعتابه
لبس الغروب ولم يعد لطلوع
لو حيث يستمع السرار وقفتما
لعجبتما من عزه وخضوعي
أبغي هواه بشافع من غيره
شر الهوى ما نلته بشفيع
أهون عليك إذا امتلأت من الكرى
أني أبيت بليلة الملسوع
قد كنت أجزيك الصدود بمثله
لو أن قلبك كان بين ضلوعي
وقد ارتبت في بيتين وردا في خلال هذه القصيدة، وبينهما وبين موضوعها بون شاسع، وهما قوله:
ما كان إلا قبلة التسليم أر
دفها الفراق بضمة التوديع
كمدي قديم في هواك وإنما
تاريخ وصلك كان مذ أسبوع
فإن هذا الوصل الحديث خليق بمحو ذلك العتب القديم، والتنافر بين هذين البيتين وبين موضوع القصيدة ظاهر على الأقل من مقابلتهما بهذا البيت الجميل:
أهون عليك إذا امتلأت من الكرى
أني أبيت بليلة الملسوع
فإنه يدل على أن الحبيب غير بعيد، وأنه في قربه نافر شرود، مما يذكرنا بقوله من كلمة ثانية:
أبيت والليل مبثوث حبائله
والوجد يقنص مني كل مجلود
شوقا إليك وإشفاقا عليك ولي
دمعان ما بين محلول ومعقود
ليس الغريب الذي تنأى الديار به
إن القريب قريب غير مودود
وإنما أردنا هذه الملاحظة ليتنبه القارئ إلى أن في الدواوين أشياء كثيرة نسبت زورا إلى الشعراء، وربما عدنا إلى تحقيق ذلك في مبحث خاص. والأدباء يعجبون بعينية الشريف هذه في العتاب، وقل منهم من لا يحفظ هذا البيت المختار:
لو حيث يستمع السرار وقفتما
لعجبتما من عزه وخضوعي
والعز والخضوع في هذا البيت يذكرنا بالعز والذل في قول عمارة اليمني في المجون:
ونافر الأعطاف عاملته
باللطف حتى سكن النافر
ولم أزل أمسح أعطافه
ورأيه في قصتي حائر
حتى غدا من خجل مطرقا
وكل إعراض له آخر
عجبت من ذلي ومن عزه
في موقف عاذله عاذر
في ليلة ساهرها نائم
فما له سمع ولا ناظر
مددت فيها الفخ لما خلا ال
جو إلى أن وقع الطائر
فبت من فرط اغتباطي به
أظن أني غائب حاضر
وابن التعاويذي يجيد الشعر في العتاب، وهو صاحب هذه الأبيات المختارة:
خذ في أفانين الصدود فإن لي
قلبا على العلات لا يتقلب