ونعود فنبين أن الشريف أجاد تصوير العتاب بقوله:
جاذبته طرف العتاب وبيننا
كبر الملول وذلة المملول
والمراد بكبر الملول عزة المعشوق، الذي تحدثه عن هجره وصده، فكأنما تسمعه هجر القول ولغو الحديث، فيتبرم ويتململ، ويود لو أرحته من حديث الحب؛ إذ كان الحسن يسد أذن الجميل، فلا يسمع الشكوى ولا يفقه العتاب، وما أبدع الغزل في قوله:
جذلان ينفض من فروج قميصه
أعطاف غصن البانة المطلول
ولا يكاد حضرة الشاعر الكبير حافظ بك إبراهيم يذكر الشريف الرضي إلا ذكر له هذا البيت، وله فيه تأويل عجيب، ولعل أبرع ما قيل في التطلع إلى الاستمتاع بالجمال، قوله في هذا البيت المختار:
من لي به والدار غير بعيدة
من داره والمال غير قليل
ولعل صديقنا الشيخ عبد العزيز صقر يتسلى بأن الشريف الرضي على جاهه كان يشكو بعد الدار، وقلة المال:
فدع ذكر سعدى إن فيك تقية
ألا إنما يبغي المها من يصيدها
وقد يصبح العتاب وهو لوم للنفس، وعذل للقلب، على الكلف بحبيب ليس للحب عنده جزاء، فمن ذلك قول بعض الأعراب:
أحيا على حب وأنت بخيلة
وقد زعموا أن لا يحب بخيل
بلى والذي حج الملبون بيته
ويشفي الهوى بالنيل وهو قليل
وإن بنا لو تعلمين لغلة
إليك كما بالحائمات غليل
وقد يعكس هذا المعنى، فيحب العاشق ظلم معشوقه، ويحب من أجل ذلك أعداءه الظالمين، كقول أبي الشيص الخزاعي:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي
متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة
حبا لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم
إذ كان حظي منك حظي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا
ما من يهون عليك ممن أكرم
ومن العشاق من يمزج العتاب بذكر ما لقي في سبيل الحب من البلايا، كقول ابن الدمينة:
وأنت التي كلفتني دلج السرى
وجون القطا بالجلهتين جثوم
وأنت التي قطعت قلبي حزازة
وفرقت قرح القلب فهو كليم
وأنت التي أحفظت قومي فكلهم
بعيد الرضا داني الصدود كظيم
وقد أجابته محبوبته أمامة فذكرت ما لقيت في سبيل حبه من سفاهة الوشاة، وشماتة اللائمين، حيث تقول:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني
وأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني
لهم غرضا أرمى وأنت سليم
فلو أن قولا يكلم الجسم قد بدا
بجسمي من قول الوشاة كلوم
وقد ضعف ابن الدمينة عن مجاراتها في قسوة العتاب، فبعث إليها الأبيات الآتية، يسألها الصفح والغفران:
وإذا عتبت علي بت كأنني
بالليل مختلس الرقاد سليم
ولقد أردت الصبر عنك فعاقني
علق بقلبي من هواك قديم
يبقى على حدث الزمان وريبه
وعلى جفائك إنه لكريم
ومن المحبين من تعجزه الحيلة، فيذكر أحبابه بأن الحياة قصيرة، لا تتسع للصد، ولا تحتمل الهجر، كقول الطغرائي:
ويا رفقة مرت بجزعاء مالك
تؤم الحمى أنضاؤها المطايا
نشدتكم بالله ألا نشدتم
بها شعبة أضللتها من فؤاديا
وقلتم لحي نازلين بقربها
أقاموا بها واستبدلوا بجواريا
رويدكم لا تسبقوا بقطيعتي
صروف الليالي إن في الدهر كافيا
وأصل هذا المعنى لإياس بن القائف إذ يقول:
إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها
فقدت صديقي والبلاد كما هيا
فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معا
كفى بالممات فرقة وتنائيا
وقد كاد سعيد بن حميد يضع لهذا المعنى صورة شعرية بقوله في النهي عن العتاب:
أقلل عتابك فالبقاء قليل
والدهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه
إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدة
ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الإخاء جماعة
إن حصلوا أفناهم التحصيل
فلئن سبقت لتبكين بحسرة
وليكثرن علي منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق
حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت ولا سبقت ليمضين
من لا يشاكله لدي خليل
وليذهبن بهاء كل مروءة
وليفقدن جمالها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودنا
باق عليه من الوفاء دليل
ولعل أيام الحياة قصيرة
فعلام يكثر عتبنا ويطول
على أن الرفق الذي ألم بالطغرائي فجعله يرجو أحبابه ألا يسبقوا صروف الليالي، لم يمنعه من أن يصرخ شاكيا في نفس القصيدة، فيرمي أحبابه بالخيانة والنسيان، وذلك قوله: