تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس في ذلك خروج على أصول الدين، فقد قال عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وليس لمتعنت أن يرد علينا بأن هذا خاص بأعمال الخير، لا الشر. فإنه كما يجوز أن يفسد الخير حين يراد به شر، كذلك يصلح الشر حين يراد به خير، وتبقى التبعة على من يقصرون في إرشاد الناس إلى نتائج أعمالهم، وما لها من الضر، والنفع، لتتماثل النيات والأعمال.

وإذا أباح لك حسن النية أن تحكم على رجل بالصلاح لغلبة الخير على أقواله وأفعاله، من غير أن تلم إلمامة بالأسباب القريبة والبعيدة، لما يعمل وما يقول، وقد تكون نيته سيئة فيحبط عمله، فإن من الواجب أن تنظر بدقة إلى ظروف من ساء قوله وعمله، فقد تكون نيته حسنة فيرضى عنه علام الغيوب.

إن علماء الغرب لا يحكمون على خلق المؤلف إلا بعد أن يتبينوا العصر الذي عاش فيه، والبيئة التي أحدقت به، فنال منها ونالت منه، لاحتمال أن تسود كتابته فكرة كانت في عصره حسنة، وهي في عصرنا سيئة، فنحكم عليه بما هو منه براء.

2

ولنرجع إلى الآية التي صدرنا بها هذا المقال

وفي أنفسكم أفلا تبصرون ، فإني لا أكتم القراء أني وجدت في مذكراتي كلمة لو قرأتها لغيرى الآن لأنكرتها عليه، مع أني أعرف أني كتبتها من قبل، وأنا نقي القلب، خالص الضمير. ولقد تبدر تلك الكلمة، وكأنها خطاب مفتوح لأهل الجمال، وهي سذاجة طريفة، تمثل عهدا من عهود الصبا، خيل إلي فيه أن الحسن يجب أن يكون ملكا لجميع العيون، تستمتع به آمنة مطمئنة لا يمانعها فيه غيور، ولا يحجبها عنه ضنين. وليس في مقدوري الآن أن أكتب مثل تلك الكلمة، لأنى حرمت من تلك السذاجة، واطلعت من الناس على بلايا ومناكر، يلؤم من بعدها الكريم، وحاشاي! وسأفرض الآن أنى في العهد الأول من عهود الشباب، وأن الناس كما كنت أحسبهم منذ سنين أطهارا بررة، لا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يتقولون الأقاويل، ولأذكر طرفا من ذلك الخطاب:

يا أرباب الجمال!

ما لكم تضنون علينا بما سوف يشبع الدود منه لثما، ويأكله التراب أكلا لما؟

كم صائن عن قبلة خده

سلطت الأرض على خده

وحامل ثقل الثرى جيده

وكان يشكو الضعف من عقده

أما والله إن أرواحنا لفي حاجة إلى بعض ما تنعم به الوسائد من الخدود، والمراود من الجفون، والمساويك من الثغور، والأمشاط من الشعور، والغلائل من الأعطاف، والزينة من الأطراف ... فلم تحرموننا في حبنا لكم، وإشفاقا عليكم مما تكرمون به الجمال ليلا ونهارا، على أنه لا يعرف ما حف به من حسن، وأحدق به من جمال؟!

يا أهل الملاحة!

إن الله ما خلقكم كالأزهار، في القفار، تزهر، ثم تذبل، ولا يتمتع أحد بشمها، ولثمها، وإنما خلقكم روحا لكل حي، ونعيما لكل موجود، فاجعلوا لنا منكم حظا، ولا أقل من النظر، فقد خفنا على أرواحنا أن تزهق ببخلكم، وتموت بصدكم، وما الله بغافل عما تعملون؟!

يا أعلام الحسن!

إن كنتم فطرتم على العزة، وجبلتم على النخوة، فهبونا بعض القرب منكم، والأنس بكم، ولكم منا ما تشاءون من ذلة واستكانة، وخضوع وعبودية، وقد عذرناكم لعزكم، فارحمونا لذلنا، وعشقناكم لحسنكم، فاعشقونا لحبنا، فكفى بالحب جمالا وبالعشق زينة، وإن الحب المملول، لخير من الحبيب الملول، فإن أبيتم إلا الصد والقطيعة، والجفاء والإعراض، فإنا نبشركم بأن الحسن حال تحول، ودولة تدول، ثم يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين!

أوردية الخدين من ترف الصبا

ويا ابنة ذي الإقدام بالفرس الورد

صلي واغنمي شكرا فما وردة الربى

تدوم على حال ولا وردة الخد

3

ولقد يعجب قارئ هذا الخطاب حين يرى كاتبا يعتقد أن الجمال ملك العيون النواظر، وأن البخل به إثم وعقوق، ولكنه لو تروى لعرف أن النفس الطاهرة كثيرة الشطط، وأن صاحبها لا يسلم من الإسراف، ورحم الله ذلك العهد الذي كنت أعيش فيه بأمل غير محدود!

مدامع العشاق · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٢