يا قمرا أطلعه المغرب
قد ضاق في حبك المذهب
ألزمتني الذنب الذي جئته
إلي فاصفح أيها المذنب
وكقول الآخر:
إذا مرضتم أتيناكم نعودكم
وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
فأما قول البحتري:
قد كان مني الوجد غب تذكر
إذ كان منك الصد غب تناسي
تجري دموعي حيث دمعك جامد
ويرق قلبي حيث قلبك قاسي
فهو بالتأنيب أشبه منه بالعتاب، وخير منه قول البحتري نفسه في كلمة ثانية:
إني وإن لم أبح بوجدي
أسر فيك الذي أسر
يا ظالما لي بغير جرم
إليك من ظلمك المفر
أنت نعيمي وأنت بؤسي
وقد يسوء الذي يسر
وقوله من كلمة أخرى تسيل ذله وتفيض خضوعا:
أيا قمر التمام أعنت ظلما
علي تطاول الليل التمام
أما وفتور لحظك يوم أبقى
تقلبه فتورا في عظامي
لقد كلفتني كلفا أعنى
به وشغلتني عما أمامي
أعيذك أن يراق دم حرام
بذاك الدل في شهر حرام
وبعجز القلم عن وصف ما لهذا الشعر من روعة الجمال، وأتمنى لو تأمل القارئ قليلا هذا البيت الجميل:
يا ظالما لي بغير جرم
إليك من ظلمك المفر
فإنه خير من قول ابن زيدون:
ألزمتني الذنب الذي جئته
إلي فاصفح أيها المذنب
وهل رأى القارئ، أروح للنفس، وأمتع للقلب، من هذا القسم:
أما وفتور لحظك يوم أبقى
تقلبه فتورا في عظامي
وهل رأى حيرة للحب أشقى من حيرة الذي يقول:
لقد كلفتني كلفا أعنى
به وشغلتني عما أمامي
ألا ليت الذين يكتبون رسائلهم باللغة العامية، يعلمون ما نعلم من جمال اللغة الفصيحة ليعرفوا أنهم يجنون على أنفسهم، وعلى قرائهم إذ يحرمونهم من التطلع إلى جنة الأدب، وقطوفها الدانية، ولو عرضت على كتاب العامية هذا البيت:
إني وإن لم أبح بوجدي
أسر فيك الذي أسر
ثم سألتهم ما فيه من وجوه الحسن لحسبوك من المسرفين، وكيف يفهم جمال هذا البيت من يتدلى إلى اللغة المبتذلة المهلهلة عجزا عن الكتابة باللغة التي رحبت بثمرات العقول في جميع الأمم الإسلامية، وكانت لغة العالم زمنا غير قليل.
ولا يحسب واحد من هؤلاء أن الحسن في الأدب لا حد له ولا تعريف، بل هناك حقائق أدبية يرتكز عليها الجمال في الشعر البديع والنثر الجميل، وقاعدة الحسن فيما نحن فيه أن العرب يستملحون بعض ألفاظ الشمول في كثير من المواطن إيذانا بالتفخيم والتهويل، كلفظة «ما» في قوله تعالى:
فغشيهم من اليم ما غشيهم
للدلالة على أن ما عانوه من طغيان الماء يفوق الوصف، ويعجز عنه التمثيل، ومنها قول البحتري :
برح بي حبك المعني
وغرني منك ما يغر
إذ كانت دواعي الحب، وأسباب العشق، مما يقصر عن إدراكه المحب المفتون، والعاشق المأسور، ومن ذلك لفظة «الذي» في هذا البيت المختار:
إني وإن لم أبح بوجدي
أسر فيك الذي أسر
إيذانا بأن ما يجنه من اللوعة، وما يكنه من الشوق، أجل من أن يحيط به الوصف، أو يناله البيان!
ومن العشاق من يضيف إلى ذلة العتاب، ذلة الإقرار بالذنب كقول الشريف:
أيا شاكيا مني بذنب جنيته
فديتك من شاك إلي حبيب
لئن راب مني ما يريب فإنني
على عدواء الداء غير مريب
وإني لأرعى منك والود بيننا
هوى قلما يرعى بظهر مغيب
فهب لي ذنبا واحدا كنت قلته
فما زلة من حازم بعجيب
فيا حسن حال الود ما دمت مذنبا
أتوب وما دامت تعد ذنوبي
والبيت الأخير يذكرنا بقول بشار:
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
ومن بديع الشعر في وصف العتاب، وما فيه من ذلة العاشق، وعزة المعشوق قول الشريف:
ومقبل كفي وددت لو انه
أوما إلى شفتي بالتقبيل
جاذبته طرف العتاب وبيننا
كبر الملول وذلة المملول
ولحظت عقد نطاقه فكأنما
عقد الجمال بقرطق محلول
جذلان ينفض من فروج قميصه
أعطاف غصن البانة المطلول
من لي به والدار غير بعيدة
من داره والمال غير قليل
وقوله:
ومقبل كفي وددت لو انه
أوما إلى شفتي بالتقبيل
يذكرنا بقول الصاحب بن عباد:
أهوى لتقبيل يدي
فقلت لا، بل شفتي!
وحيرة أمثال الشريف الرضي والصاحب بن عباد في أمثال هذه المواقف حيرة رهيبة، فكلا الرجلين عالم جليل، ولكن الحب كالموت لا يعصم منه البرج المشيد، والحصن المنيع، وقد يتقرب بعض الناس إلى مثل الشريف الرضي بتقبيل يمناه، فيود هذا لو قبل شفتيه، لأن الحب شغله عن الاحتفاظ بالعظمة، وقضى عليه بتقديس الجمال! وهنا يظهر بطش الحب وعدوانه حين يذهب بوقار العلم، وجلال الجاه، وغرور المال، ثم يسوي بين الأقدار، ريثما ينسى العالم علمه، والوجيه جاهه، والغني ماله ، حتى إذا أنست تلك النفوس العاتية إلى هذه المساواة، عاد فميز أهل الحسن، ورفع أرباب الجمال، وصير المحبين أذلة، بالرغم من أنف العلم والجاه والمال! ويقول العرب: الهوى إله معبود، وإنهم لصادقون. غير أنه يحسن أن نعرف أن هذا الإله ليس برحمن ولا رحيم، ولكنه قهار جبار! ولولا الرحمة بضعفاء اليقين لأعطيت هذا البحث ما يستحقه من البيان، ولبينت للقارئ رأى الفلاسفة في مملكة الجمال، ولكن الدين في كثير من القلوب كالكرى في عين الخائف المذعور، يودي به مر الطيف وهبوب النسيم! والذين يختلفون في النظرة البريئة أحرام هي أم حلال، لا يعقلون كيف يكون الهوى إلها، وكيف يكون له ملائكة مقربون، من الشعور، والعيون، والخدود، والثغور، والنحور والصدور، وهم إن عقلوا هذه الألوهية فلن يعقلوا كيف يكون لها من كتاب الحب أنبياء مرسلون، بل كل محب عندهم ماجن خليع، قاتلهم الله أنى يؤفكون!