وقد نقل صاحب زهر الآداب عن أبي شراعة القيسي أنه كان في مجلس العتبي مع عبد الصمد بن المعذل، وأنهم تذاكروا ما أبدع المولدون من الشعر الرقيق فقال عبد الصمد أنا في ذلك أشعر الناس؟ فقال أبو شراعة أشعر منك الذي يقول:
ومستوحش لم يمس في دار غربة
ولكنه ممن يحب غريب
إلى آخر القصيدة. وإن عبد الصمد حين سمعها لم ينطق بحرف! وعندي أن صاحب هذه القصيدة لم يوفق في وصف مشاعره وصفا منظما يصح أن يكون «صورة شعرية» بل نراه جمع بين أشياء متنافرة حظها من الائتلاف قليل؛ ألا تراه يذكر في أول القصيدة أنه قريب، ولكنه في قربه غريب؛ لأن إنسانا غيره يتمتع بذلك الحبيب؟ ثم ألا تراه بعد ذلك يذكر أنه يحاذر الوصل طائعا لئلا يصيبه ويصيب من يهواه سهم الفراق؟ وهذا بالطبع شطط في تصوير النفس المعذبة، لأن الذي يتصور أن محبوبه قد يطوق بذراع عاشق غيره لا يتغنى بأنه يترك مواصلته اتقاء لعيون الوشاة!
ينقص هذه القصيدة إذن ما أسميه «الصورة الشعرية» ولا يمنع هذا أن تكون في جملتها جميلة لما تحويه من الأبيات المختارة، ولئن صح أن العتبي صادق على أن صاحبها أشعر الناس فإنا نشك في أذواق الأدباء الأقدمين ونرتاب في حاستهم الفنية، وأحب أن يفهم بعض الناس معنى «الحاسة الفنية» فإن كثيرا من أدعياء الأدب لا يفقهون ما يقولون وما يكتبون، فضلا عن أن يفقهوا ما تناثر على بساط الدهر من ثمرات العقول!
وأمثال هؤلاء يعرفون فقط ما يسمع أو يرى أو يلمس أو يشم أو يذاق! ولكنهم لا يعرفون ما يدرك، إذ لم يرزقوا الإدراك! ومحال أن يجدوا طعما لقول الشاعر:
أسمع في قلبي دبيب المنى
وألمس الشبهة في خاطري
لأنهم لا يدرون أين تكون الخواطر، وأين تكون القلوب! من أجل هذا أشير على طالب الأدب بأن يتروى ويتريث حين يقرأ آثار الكتاب والشعراء، وأن لا يعتمد في اختياره على الأذواق العامة لعلماء البيان، فقد غفل الدهر عن كثير من المتصدرين فظنوا أنهم على شيء، وأن الأدب لحياتهم مدين!
وقد يمر العاشق ببيت من يهوى ثم لا يملك التحية، لأن الوشاة له بالمرصاد. فمن ذلك قول السري الرفاء:
مررنا بالعقيق فكم عقيق
ترقرق في محاجرنا فذابا
ومن مغنى جعلنا الشوق فيه
سؤالا والدموع له جوابا
وفي الكلل التي غابت شموس
إذا شهدت ظلام الليل غابا
حملت لهن أعباء التصابي
ولم أحمل من السلوان عابا
ولو بعدت قبابك قاب قوس
من الواشين حييت القبابا
إلى هنا عرف القارئ ألوان العواطف عند منازل الأحباب، فقد رأى نفثات المحبين عند الديار الخالية، وشهد بكاءهم على الوطن النائي، وحنينهم إلى مواطن اللهو والشراب، ثم رأى زفراتهم عند المنزل يدنو وهو بعيد، لنفور ما فيه من الظباء! ويجمع شتيت هذه المعاني قول بعض الأعراب:
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا
على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع
إذا كان من تهواه ليس بذي عهد
وربما عدنا إلى تفصيل هذه النوازع القلبية، حين نتحدث عن آراء الشعراء في أفنان الجمال.
| وشاية الدموع
من العشاق من يؤثر الكتمان: فهو يخشى أن تفضحه الدموع! وأشهر الشعراء في إخفاء الحب العباس بن الأحنف، وسنبسط الكلام عن مذهبه حين نتكلم عن الكتمان، ونكتفي الآن بشعره عن قهره بالدموع، وقد رأيته يتوجع حينا من عجزه عن كتم الحب وقد غلبه الدمع، فيقول:
هبوني أغض إذا ما بدت
وأملك طرفي فلا أنظر
فكيف استتاري إذا ما الدمو
ع نطقن فبحن بما أضمر
أمني تخاف انتشار الحديث
وحظي في صونه أوفر
ولو لم يكن في بقيا عليك
نظرت لنفسي كما تنظر
ويغضب حينا على دمع عينيه فيقول:
لا جزى الله دمع عيني خيرا
وجزى الله كل خير لساني
نم دمعي فليس يكتم شيئا
ورأيت اللسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طي
فاستدلوا عليه بالعنوان
ويبالغ في هذا المعنى حتى ليرمي قلبه بالعداوة، فيقول: