تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلبي إلى ما ضرني داعي

يكثر أسقامي وأوجاعي

كيف احتراسي من عدوي إذا

كان عدوي بين أضلاعي

ومن الشعراء من ييأس من كتم الهوى حين تنهمر الدموع، كما يقول البحتري:

علاقة حب كنت أكتم بثها

إلى أن أذاعتها الدموع الهوامع

إذا العين راحت وهي عين على الجوى

فليس بسر ما تسر الأضالع

وقد أفصح الأرجاني عن غاية ذلك: وهي نصر الوشاة، بقوله:

ولي نفس إذ ما امتد شوقا

أطار القلب من حرق شظايا

ودمع ينصر الواشين ظلما

ويظهر من سرائري الخبايا

وأكرم من هؤلاء جميعا الشريف الرضي حين يقول:

أيسمح جفني بالدموع وأغتدي

ضنينا بها إني إذن للئيم

ولو بخلت عيني إذن لعتبتها

فكيف ودمع الناظرين كريم

وقد نظر أبو نواس إلى قول بشار بن برد:

يروعه السرار بكل شيء

مخافة أن يكون به السرار

ثم حاكاه بهذه الأبيات في نميمة الدمع:

قد تسترت بالسكون وبالإط

راق جهدي فنمت العينان

تركتني الدموع نصب المشيري

ن وأحدوثة بكل مكان

ما أرى خاليين للسر إلا

قلت ما يخلوان إلا بشاني

وهي صورة شعرية، تمثل العاشق المروع أصدق تمثيل.

ومن المحبين من تنم عليه دموعه الغزار، وأنفاسه الحرار، كالبحتري حين يقول:

إن الخطوب طوينني ونشرنني

عبث الوليد بجانب القرطاس

ما شبت من طول السنين وإنما

طول الملامة فيك شيب راسي

نمت على ما في ضميري أدمعي

وتتابع الصعداء من أنفاسي

ومن رائع الشعر في فضيحة الدمع لصاحبه قول مهيار:

طرحت بجمع نظرة ساء كسبها

وتبعث شرا للعيون المطارح

فإن سترت تلك الثلاث على منى

هواي فيوم النفر لا شك فاضح

بكيت ولام العاذلات فلم تغض

على رقية العذل الدموع السوافح

وأحب أن يتأمل القارئ قوله: «نظرت بجمع نظرة ساء كسبها» ليعرف كيف يسوء كسب العيون، حين تجني على القلوب!

| سلطان الحب

سألنا حضرة الشيخ محمد علي الخالدي عن الحب: اختياري هو أم اضطراري وهل المحب مضطر أم مختار؟ وقد اختلف الناس من قبل في هذه المسألة، وأوضحها ابن أبي حجلة في كتاب «ديوان الصبابة» وأنا ناقل هنا نبذة من ذلك الكتاب الذي انتهى منه مؤلفه في منتصف القرن الثامن الهجري، لأنه يمثل لنا رأي علماء ذلك العصر في مثل هذه الشئون. قال ابن أبي حجلة في سذاجة غريبة ما نصه:

هذا فصل عقدناه لما تقدم ذكره، وأسفر كالصباح أمره، إذ للناس فيه كلام من الطرفين، وتبختر من الصفين، فقائل بأنه اضطراري، وقائل بأنه اختياري، ولكل من القولين وجه مليح، وقدر رجيح، ونحن نذكر من ذلك ما يعم به الانتفاع، ونتكلم في طوله وعرضه بالباع والذراع! فمن ذلك ما قاله القاضي أبو عمرو النوناني في كتابه تحفة الظراف: العشاق معذورون على كل حال: مغفور لهم في جميع الأقوال والأفعال؛ إذ العشق إنما دعاهم على غير اختيار، بل اعتراهم على جبر واضطرار، والمرء إنما يلام على ما يستطيع من الأمور، لا في المقضي عليه والمقدور. وقد جاء في الحديث عن النبي

صلى الله عليه وسلم

أن الحامل كانت ترى يوسف عليه السلام فتضع حملها. فكيف تراها وضعته؟ أباختيار منها كان ذلك أم باضطرار؟ لا، بل باضطرار، وفقد اقتدار. وهذا مما لا يشك فيه ذو لب، ولا يختلج خلافه في قلب.

ثم نقل عن الفضيل بن عياض أنه قال: لو رزقني الله دعوة مجابة لدعوت الله بها أن يغفر للعشاق لأن حركاتهم اضطرارية. ونقل عن أبي محمد بن حزم أن رجلا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، إني رأيت امرأة فعشقتها. فقال عمر: ذلك مما لا يملك. قال: وما أحسن قول بعض بني عذرة وقد قال له بعض العرب: ما لأحدكم يموت عشقا في هوى امرأة يألفها؟ إنما ذلك ضعف نفس، ورقة، وخور، تجدونه فيكم يا بني عذرة. فقال: أما والله لو رأيتم الحواجب الزج، فوق النواظر الدعج، تحتها المباسم الفلج، لاتخذتموها اللات والعزى!

ثم قال بعد كلام طويل: إن العشق يختلف باختلاف بني آدم وما جبلوا عليه من اللطافة ورقة الحاشية، وغلظ الكبد، وقساوة القلب، ونفور الطباع، وغير ذلك. فمنهم من إذا رأى الصورة الحسنة مات من شدة ما يرد على قلبه من الدهش، ومنهم من إذا رأى المليح سقط من قامته، ولم يعرف نعله من عمامته - العاقبة عندكم يا شيخ محمد! ثم قال: فهذا وأمثاله عشقه اضطراري، والمخالفة فيه مكابرة في المحسوس.

مدامع العشاق · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٢٠