إن دير القصير هاج أذكاري
لهو أيامنا الحسان القصار
وزمانا مضى حميدا سريعا
وشبابا مثل الرداء المعار
ولو ان الديار تشكو اشتياقا
لشكت جفوتي وبعد مزاري
ولكادت تسير نحوي لما قد
كنت فيها سيرت من أشعاري
وكأني إذ زرته بعد هجر
لم يكن من منازلي ودياري
إذ صعودي على الجياد إليه
وانحداري في المعتقات الجواري
بصقور إلى الدماء صواد
وكلاب على الوحوش ضواري
منزلا لست محصيا ما لقلبي
ولنفسي فيه من الأوطار
كم شربنا على التصاوير فيه
بصغار محثوثة وكبار
صورة في مصور فيه ظلت
فتنة للقلوب والأبصار
أطربتنا بغير شدو فأغنت
عن سماع العيدان والمزمار
لا وحسن العينين والشفة اللم
ياء منها وحدها الجلنار
لا تخلفت عن مرادي دهرا
هي منه ولو نأى بي مزاري
وفي دير القصير هذا يقول كشاجم:
سلام على دير القصير وسفحه
فجنات حلوان إلى النخلات
منازل كانت لي بهن مآرب
وكن مواخيري ومنتزهاتي
إذا جئتها كان الجياد مراكبي
ومنصرفي في السفن منحدرات
ومن الأديار التي خلدها الشعراء «دير قنا» بالقرب من بغداد، وقد أبدع في وصفه المؤرخون، ثم طواه الدهر فيما طوى من ملاعب الشباب، ولم يبق غير ذكراه في قول ابن جمهور:
يا منزل اللهو بدير قنا
قلبي إلى ذلك الربى قد حنا
سقيا لأيامك لما كنا
نمتاز منك لذة وحسنا
أيام لا أنعم عيشا منا
إذا انتشينا وصحونا عدنا
إذا فنى دن بزلنا دنا
حتى يظن أننا جننا
ومسعد في كل ما أردنا
يحكي لنا الغصن الرطيب اللدنا
أحسن خلق الله إذ تحنا
وجس زير عوده وغنا
بالله يا قسيس يا باقنا
4
متى رأيت الرشأ الأغنا
متى رأيت فتنتي تجنى
آه إذا ما ماس أو تثنى
أسأت إذا أحسنت فينا الظنا!
ومن الشعراء من تهيج حفيظته على قطر فيتغنى بقطر آخر كان ملعب هواه، كما قال السري الرفاء يمدح الموصل ويذم العراق:
لحا الله العراق وساكنيه
فما للحر بينهم قرار
وجاد الموصل المبيض غيث
يجود وللبروق به انسفار
كما انهلت مدامع مستهام
تلهب منه في الأحشاء نار
ففي أيامه حسن التصابي
وفي أفيائه خلع العذار
ليالي كان لي في كل يوم
إلى الحانات حج واعتمار
فعن ذكر القيامة بي صدود
وعن ساح المساجد بي نفار
ولى خدنان همهما المعالي
وشأنهما السكينة والوقار
وساق تضحك الدنيا إليه
إذا ضحكت بكفيه العقار
يطوف بها وقد حملت حبابا
كما حمل السقيط الجلنار
5
كأن الشرب ينتهبون نارا
لها لهب وليس لها شرار
رأى الدهر اجتماع الشمل منا
فبدده وللدهر الخيار
إلى هنا وقف القارئ على نماذج في بكاء الديار الخالية، والحنين إلى الوطن النائي، والشوق إلى مواطن اللهو والشراب، فلنذكر شكوى العشاق من المنزل القريب المأهول، حين يصبح أهله كالكواكب قريبة الضوء، بعيدة المنال! وحين يصبح تمنع الحبيب أقسى من النوى، وأمر من الفراق. وأبدع الشعر في ذلك قول راشد بن إسحاق الكوفي:
ومستوحش لم يمس في دار غربة
ولكنه ممن يحب غريب
طواه الهوى واستشعر الوصل غيره
فشطت نواه والمزار قريب
سلام على الدار التي لا أزورها
وإن حلها شخص إلي حبيب
وإن حجبت عن ناظري ستورها
هوى تحسن الدنيا به وتطيب
هوى تضحك اللذات عند حضوره
ويسخن طرف اللهو حين يغيب
تثنى به الأعطاف حتى كأنه
إذا اهتز من تحت الثياب قضيب
ألم تر صمتي حين يجري حديثه
وقد كنت أدعى باسمه فأجيب
رضيت بسعي الدهر بيني وبينه
وإن لم يكن للعين فيه نصيب
أحاذر إن واصلته أن ينالني
وإياه سهم للفراق مصيب
أرى دون من أهوى عيونا تريبني
ولا شك أني عندهن مريب
أداري جليسي بالتجلد في الهوى
ولي حين أخلو زفرة ونحيب
وأخبر عنه بالذي لا أحبه
فيضحك سني والفؤاد كئيب
مخافة أن تغرى بنا ألسن العدا
فيطمع فينا كاشح فيعيب
كأن مجال الطرف في كل ناظر
على حركات العاشقين رقيب
أرى خطرات الشوق يبكين ذا الهوى
ويصبين عقل المرء وهو لبيب
وكم قد أذل الحب من متمنع
فأضحى وثوب العز منه سليب
وإن خضوع النفس في طلب الهوى
لأمر إذا فكرت فيه عجيب