تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن لم تصبني من يمينك نعمة

فلا تخطئنه نقمة من شمالكا

فكم لقي العافون بدءا وعودة

نوالك والعادون غمر نكالكا

وقال ابن الرومي من كلمة أخرى يتشوق إلى بغداد:

بلد صحبت به الشبيبة والصبا

ولبست ثوب العيش وهو جديد

فإذا تمثل في الضمير رأيته

وعليه أغصان الشباب تميد

والأدباء يرون أن مثل هذا الشعر ليس بكاء على الوطن، ولا بكاء على اللهو، ولكنه بكاء على الشباب، ويذكرون قول ابن الرومي من كلمة ثانية:

لا تلح من يبكي شبيبته

إلا إذا لم يبكها بدم

عيب الشبيبة غول سكرتها

ومدار ما فيها من النعم

لسنا نراها حق رؤيتها

إلا أوان الشيب والهرم

كالشمس لا تبدو فضيلتها

حتى تغشى الأرض بالظلم

ولرب شيء لا يسر به

وجدانه إلا مع العدم

والذين يؤولون شعر ابن الرومي هذا التأويل يرون أنه تبع في وصف الوطن بشار بن برد حين يقول:

متى تعرف الدار التي بان أهلها

بسعدى فإن العهد منك قريب

تذكرك الأهواء إذ أنت يافع

لديها فمغناها إليك حبيب

ولعلنا لا نبالغ إذا ذكرنا هؤلاء بأن بكاء الشباب ليس إلا بكاء لما انقطع بعده من دواعي الطيش، وموجبات الجنون، فبعض العقل رزء، وبعض الوقار بلاء، ولكن أكثر الناس لا يفقهون!

ولقد سافر العباس بن الأحنف مع هارون الرشيد إلى خراسان فاستدعاه ليلة لينشده شيئا من الشعر، فأنشده هذه الأبيات:

قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا

ثم القفول فقد جئنا خراسانا

مضى الذي كنت أرجوه وآمله

أما الذي كنت أخشاه فقد كانا

ما أقدر الله أن يدني على شحط

سكان دجلة من سكان جيحانا

فقال له: لقد اشتقت يا عباس! فأجابه، نعم يا أمير المؤمنين! فأذن له بالرجوع ... وقال ابن ميادة يخاطب الوليد بن يزيد:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

بحرة ليلى حيث رببني أهلي

بلاد بها نيطت علي تمائمي

وقطعن عني حين أدركني عقلي

فإن كنت عن تلك المواطن مانعي

فاقتر علي الرزق واجمع بها شملي

وهذا البيت من أرق ما قيل في الحنين إلى الأوطان! وما أدري أكان شوق ابن ميادة إلى بلاده رفقا بالأهل والعشيرة، أم كان برا بمن فيها من فاتنات الخدود، وساحرات العيون، وقاسيات القلوب؟ لا يعلم ذلك إلا الذي يقول:

ومن بينات الحب أن كان أهلها

أحب إلى قلبي وعيني من أهلي

وقال مالك ابن الريب يتشوق إلى اليمامة ونسيمها العليل:

سقى الله اليمامة من بلاد

نوافجها كأرواح الغواني

2

وجو أزاهر للريح فيه

نسيم لا يروع الترب واني

به سقت الشباب إلى مشيب

يقبح عندنا حسن الزمان

وقال بعض الأعراب في توديع نجد، وما لقي بها من نضارة العيش، وطيب الحياة:

أقول لصاحبي والعيس تهوي

بنا بين المنيفة فالضمار

تمتع من شميم عرار نجد

فما بعد العشية من عرار

ألا يا حبذا نفحات نجد

وريا روضه بعد القطار

وأهلك إذ يحل الحي نجدا

وأنت على زمانك غير زار

3

شهور ينقضين وما شعرنا

بأنصاف لهن ولا سرار

وهذا حنين يذل له عصي الدمع. ويشبهه قول ابن المعتز في دار كانت ملعب صباه:

لا مثل منزلة الدويرة منزل

يا دار جادك وابل وسقاك

بؤسا لدهر غيرتك صروفه

لم يمح من قلبي الهوى ومحاك

لم يحل للعينين بعدك منظر

ذم المنازل كلهن سواك

أي المعاهد منك أندب طيبة

ممساك بالآصال أم مغداك

أم برد ظلك ذي الغصون وذي الجنى

أم أرضك الميثاء أم رياك

وكأنما سعطت مجامر عنبر

أو فت فار المسك فوق ثراك

وكأنما حصباء أرضك جوهر

وكأن ماء الورد دمع نداك

وكأنما أيدي الربيع ضحية

نشرت ثياب الوشي فوق رباك

وكأن درعا مفرغا من فضة

ماء الغدير جرت عليه صباك

ومما يقرب من بكاء الديار ذكر منازل اللهو والقصف، وقد كان الشعراء يتخذون الأديار موطنا لعبث الصبا ولعب الشباب، ولكثير منهم حنين موجع إلى سكانها من ظرفاء الرهبان، وربما عدنا إلى بسط ذلك في غير هذا الحديث، ونكتفي الآن بنفثات العشاق في التغني بمنازل الشراب. فمن ذلك قول محمد بن عاصم المصري في دير القصير، وقد كان ملعبا للشعراء المصريين:

مدامع العشاق · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ١٧