تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكم قسم البين الضنى بين منزل

وبيني ولكن الهوى جائر القسم

منازل أدارس شجاني نحوها

فهلا شجاها ناحل القلب والجسم

وهذه استغاثة بالطلل البالي، يشعر بمثلها ذو اللوعة الحزين!

وكان ابن الخياط من أغزر الناس دمعا عند مغاني الأحباب، فمن ذلك قوله:

يا عمرو ما وقعة في رسم منزلة

أثار شوقك فيها محو آثار

أنكرت فيها الهوى ثم اعترفت به

وما اعترافك إلا دمعك الجاري

أو كنت ناسي عهد من تقادمه

نسيت فيها لباناتي وأوطاري

أيام يفتك فيها غير مرتقب

ظبي الكناس بليث الغابة الضاري

لا أرسل اللحظ إلا كان موقعه

على شموس منيرات وأقمار

ما أطيب العيش لو أني وفدت به

على زمان ودهر غير غدار

وهذا شعر يخالط النفس، ويلابس الفؤاد، ومثله في اللوعة قوله من كلمة ثانية:

أجدك ما تنفك بالغور ناشدا

فؤادا بنجد؟ يا لقلبك من نجد!

وإني لتصميني سهام ادكاركم

وإن كان رامي الشوق مني على بعد

تمادى غرام ليس يجري إلى مدى

وفرط سقام لا يقيم على حد

وما أنس لا أنس الحمى وأهلة

تضل ومن حق الأهلة أن تهدي

زمانا إخال الجهل فيه من النهى

وحبا أعد الغي فيه من الرشد

غنين وما نولن نيلا سوى الجوى

وبن وما زودن زادا سوى الوجد

خليلي ما أحلى الحياة لو انها

لطاعمها لم تخلط الصاب بالشهد

لقد حالت الأيام عن حال عهدها

ومن لي بأيام تدوم على العهد

ومن بديع الشعر في بكاء الديار قوله من كلمة طويلة:

وبالجزع حي كلما عن ذكرهم

أمات الهوى مني فؤادي وأحياه

تمنيتهم بالرقمتين ودارهم

بوادي الغضا يا بعد ما أتمناه

سقى الوابل الربعي حائل ربعهم

وراوحه ما شاء روح وغاداه

وجر عليه ذيله كل خاطر

إذا مشى في عاطل الترب حلاه

وما كنت لولا أن دمعي من دم

لأحمل منا للسحاب بسقياه

ومن المعاني المولدة في الدمع عند الرسوم قول الأرجاني:

وقفت بأطلال الديار مسلما

وعهدي وملء الواديين قباب

فأبرق عذالي ملاما وأرعدوا

وأمطرت أجفاني فتم سحاب

به غنيت أرض الحمى عن مصبح

يقول سقى دار الرباب رباب

وهو خيال يبدو كأنه طريف، ولكنه من الأخيلة الجوفاء، وفي هذا المعنى يقول ابن التعاويذي:

سقى دار الحبيب وإن تناءت

ملث مثل أجفاني هطول

ولا برحت تسحب للغوادي

وطورا للصبا فيها ذيول

فجفني والغمام لها غدير

وقلبي والنسيم بها عليل

وعنفني على العبرات صحبي

عشية قوض الحي الحلول

وقالوا استبق للأحباب دمعا

فقد شرقت بأدمعك الطلول

معاذ الحب أن ألقى حمولا

وقد سارت بمن أهوى الجمود

وعار أن تزم ليوم بين

جمالهم ولي صبر جميل

ومن الشعراء من يجعل الحنين إلى الوطن كناية عن الحنين إلى ليالي الشباب التي قضاها بمرأى من كواكبه السواطع، ونجومه اللوامع. وقد نوه بذلك صاحب زهر الآداب فذكر أن ابن الرومي جاء إلى علي بن عبد الكريم النصيبي وأنشده هذه القطعة البديعة:

ولي وطن آليت أن لا أبيعه

وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا

عمرت به شرخ الشباب منعما

بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا

وحبب أوطان الرجال إليهم

مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرت لهم

عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا

فقد ألقته النفس حتى كأنه

لها جسد إن بان غودر هالكا

ثم قال: أنصفني وقل الحق. أيهما أحسن؟ قولي في الوطن أم قول الأعرابي:

أحب بلاد الله ما بين منعج

إلي وسلمى لا يصوب سحابها

بلاد بها نيطت على تمائمي

وأول أرض مس جسمي ترابها

فقال له: بل قولك أحسن، لأنه ذكر الوطن ومحبته، وأنت ذكرت العلة التي أوجبت ذلك! وقد يشعر القارئ بالحاجة إلى معرفة المخاطب في قول ابن الرومي:

عمرت به شرخ الشباب منعما

بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا

وخلاصة الحديث أن القطعة التي نقلناها من شعر ابن الرومي عن الوطن هي جزء من قصيدة قدمها إلى سليمان بن عبد الله بن طاهر يستعديه على رجل من التجار أجبره على بيع داره واغتصبه بعض جدرانها، فمما فيها من التحريض قوله:

وإني وإن أضحي مدلا بماله

لآمل أن أضحي مدلا بمالكا

مدامع العشاق · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ١٦