تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقفت على تلك الديار ووحشها

دوان ومن يحكين غير دوان

فأنكرت العينان والقلب عارف

قليلا ولجا بعد في الهملان

وهذا آخر ما يقال في رسوم الديار، فحسب أطلالها من البلى، ورسومها من العفاء، أن تنكرها العينان، ولا يعرفها القلب إلا قليلا! والأدباء ينكرون أن يتردد القلب في معرفة دار كانت بالأمس جنة ونعيما، ويعجبون بقول طريح بن إسماعيل الثقفي:

تستخبر الدمن القفار ولم تكن

لترد أخبارا على مستخبر

فظللت تحكم بين قلب عارف

مغنى أحبته وطرف منكر

ومن الشعراء من يرى الديار الخالية، وكأنها بأهلها مأهولة، كأبي نواس حين يقول:

لمن دمن تزداد طيب نسيم

على طول ما أقوت وحسن رسوم

تجافى البلى عنهن حتى كأنما

لبسن على الأقواء ثوب نعيم

وكقول الأخطل:

لأسماء محتل بناظرة البشر

قديم ولما يعفه سالف الدهر

يكاد من العرفان يضحك رسمه

وكم من ليال للديار وكم شهر

وكقول ابن أحمر العقيلي:

تراها على طول القواء جديدة

وعهد المغاني بالحلول قديم

والمعروف في هذا المعنى أن الديار تجد مثل ما يجد المتيم المحزون، كقول محمد بن وهب:

طللان طال عليهما الأمد

درسا فلا علم ولا قصد

لبسا البلى فكأنما وجدا

بعد الأحبة مثل ما أجد

وكقول مالك ابن أسماء الفزاري:

بينا هم سكن لجارهم

ذكروا الفراق فأصبحوا سفرا

فظللت ذا وله يعاتبني

من لا يرى مثلي له أمرا

بكت الديار لفقد ساكنها

أفعند قلبي أبتغي الصبرا

ومن بديع الشعر في هذا الباب قول ابن سنان الخفاجي:

ولما وقفنا بالديار وعندنا

مدامع نسديها لكم ونثيرها

شكونا إليها ما لقينا من الضنى

فعرفنا كيف السقام دثورها

وقد درست إلا أمارة ذاكر

تلوح له بعد التمادي سطورها

خليلي قد عم الأسى وتقاسمت

فنون البلى عشاق ليلى ودورها

فلا دار إلا دمنة ورسومها

ولا نفس إلا لوعة وزفيرها

لعمر الليالي ما حمدت قديمها

فيوحشني ذهابها ومرورها

وقالوا عطاء الدهر يبلى جديده

ومن لي بدنيا لا يزول سرورها

نود لو تأمل القارئ إبداع ابن سنان في هذين البيتين:

خليلي قد عم الأسى وتقاسمت

فنون البلى عشاق ليلى ودورها

فلا دار إلا دمنة ورسومها

ولا نفس إلا لوعة وزفيرها

وحسب العاشق من موجب الأسى، وداعي الحزن، أن يرى منازل أحبابه هامدات، باليات!

تعفو المنازل إن نأوا

عنها وتغبر البلاد

والحي أولى بالبلى

شوقا إذا بلي الجماد

وهل تأملت كيف شكا إلى الديار ما لقي من الضنى، وكيف عرف ما به من السقم لما تبين دثورها، وتعرف عفاءها! ويا ليت شعري هل شكت إليه ما تجد إليه من بعد سكانها، وبين ملاكها؟ أما والهوى إنها لتشكو في صمتها الرهيب، إذ كانت تحزن بغير قلب، وتبكي بغير دمع!

كفى حزنا للهائم الصب أن يرى

منازل من يهوى معطلة قفرا

ومما يقرب من فلسفة الشعر، وفقه الأدب، في بكاء الرسوم الهوامد، والأطلال الدوارس، مع الإفصاح عن الأسى والبث، والشجى والحزن، قول ابن الخياط في ديار لقيت من بعد سكانها ما لقي المحب بعدهم من الضنى والنحول:

وقفت أداري الوجد خوف مدامع

تبيح من السر الممنع ما أحمي

أغالب بالشك اليقين صبابة

وأدفع من صدر الحقيقة بالوهم

وهذا من خير ما قيل في مصانعة النفس، ومغالبة الوجد، فقد عرف الديار بقلبه، لما ضمنت منه الضلوع لأهلها النازحين، وأنكرها بطرفه، لما لقيت من الدثور والعفاء، فهو يريد أن يعتصم بالشك، لينجو من قسوة اليقين، ولكنه غلب على أمره فقال:

فلما أبى إلا البكاء لي الأسى

بكيت فما أبقيت للرسم من رسم

كأني بأجزاع النقيبة مسلم

إلى ثائر لا يعرف الصفح عن جرم

يرحمه الله! فهل رأى ثائرا أظلم من الوجد، وحاكما أجور من الصبابة! ثم أخذ يقارن بين بليته وبلية الديار، فقال:

لقد وجدت وجدي الديار بأهلها

ولو لم تجد وجدي لما سقمت سقمي

عليهن رسم للفراق وإنما

علي له ما ليس للنار من رسم

وهذا من الإبداع في وصف الديار الخالية، وهل تجد المنزل بعد أهله إلا باكيا حزينا؟ أوليست وحشة المنزل الخالي ذلة بادية يطالع بها الرائح والغادي، عساه يعرف شيئا عن سكانه الراحلين، وملاكه الغائبين فإن السكان للمنازل كالأرواح للأجسام، فإذا ارتحلوا آن حمامها، وحان دثورها، وحل دمارها! وقد رأى الشاعر بعد ذلك أن البين جائر في قسمة الضنى بينه وبين المنزل الخالي، فقال:

مدامع العشاق · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ١٥