فارحم فديتك مهجة
أودى بها الحزن العميق
حزن يقطع في الحشا
فكأنه غدر الصديق •••
يا ويح قلبي لم يزل
يهفو به الروح الخفوق
وتقوده الذكرى إلى
عهد الهوى الغض الرقيق
أيام نمرح في الصبا
في ذلك العيش الأنيق
أيام نسقي في الهوى
والود كأسا من رحيق
تلك الليالي لم تدع
من بعدها حسنا يروق
كلا ولا خلت لنا
إلا الزفير أو الشهيق
| عند منازل الأحباب
كان أبو نواس يكره الشعر في بكاء الرسوم والأطلال، وأدباء هذا العصر يعدون هذه النزعة توديعا للقديم، وترحيبا بالجديد، وهذا حق إذا لوحظ أن الشعراء كانوا يبدءون قصائدهم ببكاء الديار، وإن لم يكونوا بنار الفراق من المحرقين! ولكن من العبث في تحليل العواطف أن نجهل ما يجده المحبون عند المرور بديار أحبابهم المبعدين، ومن الغبن للآداب العربية أن نغفل ما قيل في منازل الأحباب من الشعر الباكي الحزين! وها نحن أولاء نبسط القول عن هذه الوقفة الأليمة، وقفة المحب على ديار خلت غرفها من الظباء الغرائر، وعفت سررها من النساء الحرائر، بعد أن كان ساكنوها أمل الآمل، وأمنية المتمني! فمن ذلك قول بعض الأعراب وقد وقف (بالحزن) بفتح الحاء، وكان ملعب شبابه، ومنتدى هواه، وصورة أيامه الخوالي:
ومستنجد (بالحزن) دمعا كأنه
على الخد مما ليس يرقأ حائر
إذا ديمة منه استقلت تهللت
أوائل أخرى ما لهن أواخر
ملا مقلتيه الدمع حتى كأنه
لما انهل من عينيه في الماء ناظر
وينظر من بين الدموع بمقلة
دمى الشوق في إنسانها فهو ساهر
وفي هذا المعنى يقول ابن الملوح:
نظرت كأني من وراء زجاجة
إلى الدار من ماء الصبابة أنظر
فعيناي طورا تغرقان من البكا
فأعشي وطورا يحسران فأبصر
ومما يغري القلب بالحزن، والعين بالدمع، قول البحتري:
وقفنا فحيينا لأهلك باللوي
ربوع ديار دارسات المعالم
ذكرنا الهوى العذري فيها فأنسيت
عزاها مشوقات القلوب الهوائم
خلعنا بها عذر الدموع فأقبلت
تلوم وتلحي كل لاح ولائم
لقد حكم البين المشتت بالبلى
عليك وصرف الدهر أجور حاكم
لعل الليالي يكتسبن بشاشة
فيجمعن من شمل الهوى المتقادم
ونود لو تأمل القارئ ما في هذه الأبيات من الترتيب والتنسيق، فقد وقف الشاعر بالديار، ثم حياها وهو يتنقل بروحه بين الشقاء الحاضر والنعيم الماضي، ثم اشتعل الحزن في قلبه اشتعالا، فنسي جمال الصبر وحسن العزاء، فاندفع يبكي وينتحب، ثم أغرب في البكاء والنحيب، حتى خشع عاذلوه، وخضع لائموه! ثم توجع للديار مما حكم عليها البين وصنعت بها الليالي! ثم تمنى لو ضحك الزمن بعد العبوس، فاجتمع الشمل بعد الفراق! وقال أبو فراس:
علي لربع العامرية وقفة
ليملي علي الشوق والدمع كاتب
فلا وأبي العشاق ما أنا عاشق
إذا هي لم تلعب بصبري الملاعب
ومن مذهبي حب الديار وأهلها
وللناس فيما يعشقون مذاهب
ولا يفهم أحد كيف يكون حب الديار وأهلها مذهبا لأبي فراس، مع أن أبياته هذه ليست شيئا في جانب ما قيل في منازل الأحباب، ويكفي أن نذكر قول نبهان العبسي في البئر الذي كانت تشرب منه حبيبته سليمى:
سأسري إلى الماء الذي شربت به
سليمى وإن مل السرى كل واحد
وألصق أحشائي ببرد ترابه
وإن كان مخلوطا بسم الأساود
ويذكرني هذا بقول بعض الأعراب في (الوشل)، وهو ماء كان يطالع عنده وجوه الكواعب:
اقرأ على الوشل السلام وقل له
كل المشارب مذ هجرت دميم
سقيا لطلك بالعشي وبالضحى
ولبرد مائك والمياه حميم
لو كنت أملك منع مائك لم يذق
ما في قلاتك ما حييت لئيم
1
وللشريف الرضي في بكاء الديار بدائع، فمن ذلك قوله:
تزافر صحبي يوم ذي الأثل زفرة
تذوب قلوب من لظاها وأضلع
منازل لم تسلم عليهن مقلة
ولا جف بعد البين فيهن مدمع
فدمع على بالي الديار مفرق
وقلب على أهل الديار موزع
ألا ليت شعري كل دار مشتة
ألا موطن يدنو بشمل ويجمع
ومن جيد شعره في هذا المعنى قوله من كلمة ثانية: