أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي
وهذا شعر الطبع والسليقة، والموفقون إلى مثله قليل.
وقد أجاد في هذا المعنى من شعراء العصر حافظ بك إبراهيم حين قال:
كم تحت أذيال الظلام متيم
دامي الفؤاد وليله لا يعلم
ما أنت في دنياك أول عاشق
راميه لا يحنو ولا يترحم
أهرمتني يا ليل في شرخ الصبا
كم فيك ساعات تشيب وتهرم
لا أنت تقصر لي ولا أنا مقصر
أتعبتني وتعبت، هل من يحكم
لله موقفنا وقد ناجيتها
بعظيم ما يخفي الفؤاد ويكتم
قالت من الشاكي تسائل سربها
عني ومن هذا الذي يتظلم
فأجبنها وعجبن كيف تجاهلت
هو ذلك المتوجع المتألم
أنا من عرفت ومن جهلت ومن له
لولا عيونك حجة لا تفحم
أسلمت نفسي للهوى وأظنها
مما يجشمها الهوى لا تسلم
وأتيت يحدوني الرجاء ومن أتى
متحرما بفنائكم لا يحرم
أشكو لذات الخال ما صنعت بنا
تلك العيون وما جناه المعصم
لا السهم يرفق بالجريح ولا الهوى
يبقي عليه ولا الصبابة ترحم
لو تنظرين إليه في جوف الدجى
متململا من هول ما يتجشم
يمشي إلى كنف الفراش محاذرا
وجلا يؤخر رجله ويقدم
يرمي الفراش بناظريه وينثني
جزعا ويقدم بعد ذاك ويحجم
فكأنه واليأس ينسف نفسه
للقتل فوق فراشه يتقدم
رشقت به في كل جنب مدية
وانساب فيه بكل ركن أرقم
فكأنه في هوله وسعيره
واد قد اطلعت عليه جهنم
هذا وحقك بعض ما كابدته
من ناظريك وما كتمتك أعظم
قالت أهذا أنت ويحك فاتئد
حتام تنجد في الغرام وتتهم
إنا سمعنا عنك ما قد رابنا
وأطال فيك وفي هواك اللوم
أصغت إلى قول الوشاة فأسرفت
في هجرها وجنت علي وأجرموا
حتى إذا يئس الطبيب وجاءها
أني تلفت تندمت وتندموا
وأتت تعود مريضها لا بل أتت
مني تشيع راحلا لو تعلم
وفي هذه القصيدة صورة شعرية بديعة، تمثل العاشق، وقد طال عليه الليل، وهجر جفنيه المنام. وهي غاية في حسن القصص، وسحر البيان.
ولنذكر الشكوى إلى ساقي الراح في قول ابن المعتز:
أيها الساقي إليك المشتكى
قد دعوناك وإن لم تسمع
ونديم همت في غرته
وبشرب الراح من راحته
كلما استيقظ من سكرته
جذب الزق إليه واتكا
وسقاني أربعا في أربع
ما لعيني عشيت بالنظر
أنكرت بعدك ضوء القمر
وإذا ما شئت فاسمع خبري
عشيت عيناي من طول البكا
وبكى بعضي على بعضي معي
غصن بان مال من حيث التوى
مات من يهواه من فرط الجوى
خفق الأحشاء موهون القوى
كلما فكر في البين بكى
ويحه يبكي لما لم يقع!
ليس لي صبر ولا لي جلد
يا لقومي عذلوا واجتهدوا
أنكروا شكواي مما أجد
مثل حالي حقه أن يشتكا
كمد اليأس وذل الطمع
كبد حرى ودمع يكف
أصرف الدمع فلا ينصرف
أيها المعرض عما أصف
قد نما حبي بقلبي وزكا
لا تقل في الحب إني مدعي
وفي هذه الموشحة شكوى أليمة، تهم بمثلها النفس الشجية، من حين إلى حين.
وتعجبني شكوى ابن الرومي في قوله:
ظبي يصيد ولا يصاد محاذر
نبل الهوى وحبائل الإيناس
غر شموس إن أحس بريبة
أعجب بجامع غرة وشماس
يسبي القلوب بمقلة مكحولة
بفتور غنج لا فتور نعاس
يا للرجال ألا معين لأيد
صب الفؤاد على ضعيف قاس
1
أيضيمني خنث الشمائل لو نضا
عنه غلالته حساه الحاسي ؟
ومن العجائب أن تحل ظلامة
بفتى أناس من فتاة أناس
ومن المعذبين من يبث شكواه من دهره وإخوانه إلى صديق أقصته في بره الليالي. ومن شعراء العصر من قارب الإجادة في هذا المعنى، كصاحب البدائع حيث يقول:
2
أنت الذي علمتني
يا سيدي بر الصديق
وتركتني في فتية
ما فيهم بر رفيق
لم ألق بعدك منهم
إلا الجفاء أو العقوق
حتى كأني لم أبت
منهم على عهد وثيق
وكأنهم لم يبصروا
في خلتي الحر الصدوق
فنسوا هواي ولم يفق
من ودهم قلبي المشوق
ونسوا طريف حديثنا
عند الصبوح أو الغبوق
ليت الهوى ما قادني
يوما إلى ذاك الطريق
أو ليتني لم أنخدع
جهلا بهاتيك البروق
بل ليتني بعد الذي
عانيت من صبحي أفيق •••
مولاي لو أبصرتني
لفزعت من دمعي الطليق
وشجاك جسمي ناحلا
وكأنه الطيف الطروق
أشكو إليك وإنما
يشكو المضيم إلى الشفيق