إلى الله أشكو فقد لبنى كما شكا
إلى الله بعد الوالدين يتيم
يتيم جفاه الأقربون فدمعه
غزير وعهد الوالدين قديم
وإذا كان محالا أن يجد المرء بعد أبويه من يعوله، ويحدب عليه، ويمنحه من العطف والحنان ما كان جديرا أن يفوز به لو عاش أبواه، فكذلك لا يجد قيس من بين النساء من تبره بر لبنى، وهذا وجه الحسن في هذين البيتين، اللذين يفيضان نارا وحرقة. وقال ابن المعتز:
إلى الله أشكو الشوق لا إن لقيتها
يقل ولا إن بنت يخلقه الدهر
مقيم على الأحشاء قد قطعت به
فساعته يوم وليلته دهر
ولم يذكر الشاعر هنا من موجب الشكوى غير فرط حبه، وخلود وجده، وإنما يشكو المحب قسوة الهجر، ومرارة الصدود. وقال معين الدين الخطيب في الشكوى من لوعته وحسن محبوبه:
أشكو إلى الله من نارين واحدة
في وجنتيه وأخرى منه في كبدي
ومن سقامين سقم قد أحل دمي
من الجفون وسقم حل في جسدي
وهذا شعر منتقد؛ فإنه إذا صح أن يشكو المحب إلى الله سقمه ووجده، أملا في الراحة من بلاء الحب، فما الذي يريده بشكوى السقم في جفن محبوبه والنار في خديه؟ وقد أجاد أو قارب في قوله:
ومن نمومين دمعي حين أذكره
يذيع سري وواش منه للرصد
ومن ضعيفين صبري حين يهجرني
ووده، ويراه الناس طوع يدي
فإنه لا بأس من شكوى الواشي والود الضعيف!
ومن المحبين من يشكو إلى المعاهد والرسوم، وهو نوع من الوله، وصنف من الصبابة، تقر به عين المحب، وتطيب به نفس المشوق، كقول ابن المعتز:
أيا سدرة الوادي على المشرع العذب
سقاك حيا حي الثرى ميت الجدب
كذبت الهوى إن لم أقف أشتكي الهوى
إليك وإن طال الطريق على صحبي
أصانع أطراف الدموع ومقلتي
موقرة بالدمع غربا على غرب
وهل هي إلا حاجة قضيت لنا
ولوم تحملناه في طاعة الحب
تبدلت شيبا بالشباب فإن تطر
شياطين لذاتي يقعن على قرب
ومنهم من يشكو إلى المسعد والرفيق، وهو أصل هذا الباب، ومنه هذا البيت السائر:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة
يواسيك أو يسليك أو يتوجع
ويعجبني في هذا المعنى قول البهاء زهير:
أين من يرحمني أشكو له
إنما الشكوى إلى من يرحم
أنا من قلبي ومنها آيس
لم يكن من مقلتيها يسلم
أيها السائل عن وجدي بها
إنه أعظم مما تزعم
ولقد حدثت عن شرح الهوى
أنت يا رب بحالي أعلم
طال ما ألقاه من نار الجوى
وحديثي لك يا من يفهم
عشق الناس ومثلي لم يكن
فاعلموا أني فيهم علم
سطرت قبلي أحاديث الهوى
وبمسك من حديثي تختم
وهذا شعر يشف عن كثير من سلامة الذوق، وخفة الروح، ولعلك لا تجد أظرف من قوله:
أين من يرحمني أشكو له
إنما الشكوى إلى من يرحم
فإنه خير ما قيل في معناه ... ومن المغرمين من يشكو إلى حبيبه وهو أوجب لرحمته، وأدعى إلى إنصافه، ومنه قول الطغرائي:
لعمرك ما يرجى شفائي والهوى
له بين جسمي والعظام دبيب
أجلك أن أشكو إليك وأنطوي
على كمدي إن الهوى لعجيب
وآمل برءا من هوى خامر الحشا
وكيف بداء لا يراه طبيب
نصيبك من قلبي كما قد عهدته
وما لي بحمد الله منك نصيب
وما أدعي إلا اكتفاء بنظرة
إليك ودعوى العاشقين ضروب
وما بحت بالسر الذي كان بيننا
ولكنما لحظ المحب مريب
وقوله «نصيبك من قلبي كما قد عهدته» مأخوذ من قول ابن الأحنف:
إليك أشكو رب ما حل بي
من صد هذا التائه المعجب
صب بعصياني ولو قال لي
لا تشرب البارد لم أشرب
إن قال لم يفعل وإن سيل لم
يبذل وإن عوتب لم يعتب
وقوله «وما أدعي إلا اكتفاء بنظرة» مأخوذ من قول الشريف:
عشقت وما بي يعلم الله حاجة
سوى نظري والعاشقون ضروب
ومما حسنت معانيه وصحت تقاسيمه - في الشكوى إلى المحبوب - قول بعض الأعراب:
شكوت فقالت كل هذا تبرما
بحبي أراح الله قلبك من حبي
فلما كتمت الحب قالت لشد ما
صبرت وما هذا بفعل شجي القلب
وأدنو فتقصيني فأبعد طالبا
رضاها فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها وصبري يسوءها
وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها