إني لأذكركم وقد بلغ الظما
مني فأشرق بالزلال البارد
وأقول ليت أحبتي عاينتهم
قبل الممات ولو بيوم واحد
وللشريف الرضي في الوجد بعد الفراق شعر باك حزين كقوله:
الدمع مذ بعد الخليط قريب
والشوق يدعو والزفير يجيب
إن لم تكن كبدي غداة وداعكم
ذابت فأعلم أنها ستذوب
داء طلبت له الأساة فلم يكن
إلا التعلل بالدموع طبيب
إما أقمت فإن دمعي غالب
لعواذلي وتجلدي مغلوب
ومن الشعراء من ينفد دمعه، فيوصي بالبكاء عنه، كما قال الشريف:
أيها الرائح المغذ تحمل
حاجة للمتيم المشتاق
اقر عني السلام أهل المصلى
فبلاغ السلام بعض التلاقي
وإذا ما مررت بالخيف فاشهد
أن قلبي إليه بالأشواق
وإذا ما سئلت عني فقل نض
و هوى ما أظنه اليوم باق
ضاع قلبي فانشده لي بين جمع
ومنى عند بعض تلك الحداق
وابك عني فطالما كنت من قب
ل أعير الدموع للعشاق
وتذكرنا هذه الأبيات بقول عبد الرحمن الداخل:
أيها الراكب الميمم أرضي
اقر من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرض
وفؤادي ومالكيه بأرض
قدر البين بيننا فافترقنا
وطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الله بيننا بافتراق
فعسى باجتماعنا سوف يقضي
ومن الشعراء من يبكي في القرب والبعد، كما قال بعض الظرفاء:
وما في الأرض أشقى من محب
وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كل حال
مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقا إليهم
ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي
وتسخن عينه عند التلاقي
وليس لنا إلا أن نذكر أمثال هذا الشاعر بما قاله الأخطل لعبد الملك بن مروان وقد سأله كيف تشرب الخمر، وأولها مر، وآخرها سكر؟ فقال: صدقت يا أمير المؤمنين! ولكن بين السكر والمرارة لحظة دونها ملكك الطويل العريض!
وبين دموع التلاق، ودموع الفراق، لحظة دونها حياة الأبرار في جنات النعيم!
ومن الشعراء من يتوجع على عهده قبل الفراق، كقول الشريف:
هل عهدنا بعد التفرق راجع
أو غصننا بعد التسلب مورق
شوق أقام وأنت غير مقيمة
والشوق بالكلف المعنى أعلق
ما كنت أحظى في الدنو فكيف بي
واليوم نحن مغرب ومشرق
وفي البيت الأخير حسرة تذيب لفائف القلوب.
وقد أجاد الأرجاني في وصف اليأس بعد الفراق، حين قال:
رحلوا: أمام الركب نشر عبيرهم
ووراءهم نفس المشوق الصادي
فكأن هذا من وراء ركابهم
حاد لها وكأن ذلك هادي
لله موقف ساعة يوم النوى
بمنى وأقمار الحدوج بواد
لما تبعت وللمشيع غاية
أظعانهم وقد امتلكن قيادي
اتبعتهم عيني وقلبي واقفا
فوق الثنية والمطي غواد
كيف السبيل إلى التلاقي بعدما
ضرب الغيور عليه بالأسداد
والحي قد ركزوا الرماح بمنزل
فيه الظباء ربائب الآساد
وعد المنى بهم فقلت لصاحبي
كم دون ذلك من عدى وعواد
عهدي بهم وهم بوجرة جيرة
سقيت عهودهم بصوب عهاد
فاليوم من نفس النسيم إذا سرى
نبغي شفاء علائل الأكباد
ومن العشاق من يقف بالديار فيبكي لما صنعت بها أيدي الفراق حين نفرت عنها الظباء، كسبط ابن أسابذي حين يقول:
يا موقفا بالبان لم تثمر لنا
غير الصبابة والأسى شجراته
هل نفرت لا نفرت غزلانه
أو صوحت لا صوحت باناته
عهدي به يلوي الديون قضاته
وتصيد ألباب الرجال مهاته
فاليوم لا جيرانه جيرانه
قدما ولا فتياته فتياته
يا حادي الأظعان في آثاركم
قلب تقطعه جوى حسراته
ولقد يرى ثبت الحصاة فما له
أمست تذوب على البعاد حصاته
1
| شكوى الصبابة
نظرت ما قال الشعراء في الشكوى فإذا هم مختلفون: فمنهم من يشكو إلى من يعلم السر والنجوى، ومن يقدر على تصريف الخواطر، وتقليب القلوب.
ألان لداود الحديد بقدرة
مليك على تيسير قلبك قادر
وهؤلاء أصدق الناس حبا وأحسنهم إيمانا، وسيدهم أبو صخر الهزلي حين يقول:
بيد الذي شغف الفؤاد بكم
تفريج ما ألقى من الهم
فإنه جعل الهوى قدرا، وجعل الأمر في تيسير قلب من يهوى وتذليله للذي خلق الحب، وأودع الذل فيه. ولم أجد في هذا المعنى أوجع من قول قيس بن زريح: