تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما تقطعت الحمول تقطعت

نفسي أسى وكأنهن طلوح

وجلا الوداع من الحبيب محاسنا

حسن العزاء وقد جلين قبيح

فيه مسلمة، وطرف شاخص

وحشا يذوب ومدمع مسفوح

يجد الحمام ولو كوجدي لانبرى

شجر الأراك مع الحمام ينوح

وقال مهيار في الاعتذار عما للمودع من الزفرات والعبرات:

دعوني فلي إن زمت العيس وقفة

أعلم فيها الصخر كيف يلين

وخلوا دموعي أو يقال نعم بكى

وزفرة صدري أو يقال حزين

فلولا غليل الشوق أو دمعة النوى

لما خلقت لي أضلع وجفون

وهي مدافعة حسنة تذكرنا بقول صردر:

إذا لم أفز منكم بوعد فنظرة

إليكم فما نفعي بسمعي وناظري

وقال السري الرفاء في ذكر مظاهر الوداع: من اللوعة، والحنين، وتخديد الخد بالدمع، مع ذهاب العزاء:

وقفتنا النوى على الكره منا

موقفا ضم شائقا ومشوقا

حال ورد الخدود فأضحى الن

رجس الغض بالدموع غريقا

لوعة أفرطت فعادت حريقا

وحنين أربى فعاد شهيقا

وخليق بلوعة الحب صب

لم يكن بالعزاء فيه خليقا

ومن شجي الشعر في ذلك قول الشريف الرضي:

ولما تواقفنا ذهلت ولم يحن

لطير قلوب العاشقين وقوع

عشية لي من رقبة الحي زاجر

عن الدمع إلا أن تشذ دموع

وقد أمرت عيناك عيني بالبكا

فقل لي أي الآمرين أطيع

ولهذا الشعر مزية خاصة: وهي ترتيب المعاني ترتيبا لولا حيرة المودع لكان غاية في الوضوح. ولا يفوتنا أن نذكر هنا قول ابن زريق:

ودعته وبودي لو يودعني

صفو الحياة وأني لا أودعه

وكم تشفع بي أن لا أفارقه

وللضرورات حال لا تشفعه

وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى

وأدمعي مستهلات وأدمعه

ومن الشعراء من يفرح بالوداع، إذ يمكنه من معشوقة قد لا تراها العين إلا عند الرحيل. فمن ذلك قول البحتري:

إن للبين نعمة لا تؤدى

ويدا في تماضر بيضاء

حجبوها حتى بدت لفراق

كان داء لعاشق ودواء

أضحك البين يوم ذاك وأبكى

كل ذي صبوة وسر وساء

فجعلنا الوداع فيه سلاما

وجعلنا الفراق فيه لقاء

وفي هذا المعنى يقول بعض الظرفاء:

لم أنس إذ ودعته والتقى

ذا البدن الناعم والناحل

كأنما جسمي على جسمه

غصنان ذا غض وذا ذابل

يا رب ما أطيب ضمي له

إلي لولا أنه راحل!

وقد ألم الشريف بهذا المعنى في هذه الأبيات:

أفي كل يوم لفتة ثم عبرة

على رسم دار أو مطي موقف

وركب على الأكوار يثني رقابهم

لداعي الصبا عهد قديم ومألف

فمن واجد قد ألزم القلب كفه

ومن طرب يعلو اليفاع ويشرف

ومستعبر قد أتبع الدمع زفرة

تكاد لها عوج الضلوع تثقف

قضى ما قضى من أنة الشوق وانثنى

بدار الجوى والقلب يهفو ويرجف

ولم تغن حتى زايل البعد بيننا

وحتى رمانا الأزلم المتغطرف

1

كأن الليالي كن ألين حلفة

بألا يرى فيهن شمل مؤلف

أيا وقفة التوديع هل فيك راجع

إشارته ذاك البنان المطرف

وهل مطمعي ذاك الغزال بلفتة

وإن ثور الركب العجال وأوجفوا

2

وهذه الأبيات وصف سابغ للمرور بمنازل الأحباب، ولكن فيها تصويرا لانتهاب الحسن عند الوداع، وإمتاع العين باللفتة وإشارة البنان، وليست هذه المتعة بالشيء القليل!

| الدمع بعد الفراق

ذكرنا في الكلمة السالفة مذاهب الشعراء في وصف الوداع، واليوم نذكر من شعرهم في الدمع بعد الفراق، فمن ذلك قول دعبل في راحلين ما يدري أيلقاهم وهو حي، أم ينتظرهم في عالم البقاء:

ألم يأن للسفر الذين تحملوا

إلى وطن قبل الممات رجوع

فقلت ولم أملك سوابق عبرة

نطقن بما ضمت عليه ضلوع

تبين فكم دار تفرق شملها

وشمل شتيت عاد وهو جميع

طوال الليالي صرفهن كما ترى

لكل أناس جدبة وربيع

ويذكر صاحب «مواسم الأدب» أن المأمون كان يعجب بهذه الأبيات، وكذلك كان المؤلفون «يسجلون» إعجاب الملوك بما يقول الشعراء، كأن الشعر «نقود» لا يتداولها الناس إلا إن حملت شارات الملوك! على أن من العدل أن نذكر بهذه المناسبة أن إقبال المأمون على الشعر الجيد، وتشجيعه للشعراء المجيدين، كان مما رفع الأدب ونهض بالأدباء. وهناك ظاهرة أخرى لإعجاب المأمون بهذه القطعة الوجدانية، هي إقبال كرائم النفوس على مناهل الوفاء، وإن أسبغت عليها نعمة العلم والجاه! ولنا أن نقول: إن في عجز العلم والملك عن قتل الحب في صدور الملك والعلماء لدليلا على أن نعم الوجود تتلاشى أمام هذه النعمة الساحرة، القاهرة، نعمة الجمال! وفي الفزع من الموت قبل اللقاء، يقول الطغرائي:

مدامع العشاق · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ١٠