تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم

وقدس من يسري إليهم ويغتدي

ترحل عن قوم فضلت عقولهم

وحل على قوم بنور مجدد

هداهم به بعد الضلالة ربهم

وأرشدهم، من يتبع الحق يرشد

وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا

عمى وهداة يهتدون بمهتد

لقد نزلت منه على أهل يثرب

ركاب هدى حلت عليهم بأسعد

نبي يرى ما لا يرى الناس حوله

ويتلو كتاب الله في كل مسجد

وإن قال في يوم مقالة غائب

فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد

ليهن أبا بكر سعادة جده

بصحبته، من يسعد الله يسعد

وقد نقلنا قصة أم معبد وشعر حسان وشعر الهاتف لأن لهذه القطع الثلاث أثرا في تلوين المدائح النبوية، وحديث أم معبد معروف ، وقد أشار إليه القاضي عياض في الشفاء،

59

وهو - إن صحت نسبته إلى ذلك العهد - أساس لأكثر ما جاء في المدائح النبوية من الأوصاف الحسية، فسنرى في «الموالد» كيف يوصف الرسول بأنه أبلج الوجه، أدعج العينين، أزج الحاجبين، إلى آخر ما قيل فيه من شائق الصفات. وحسان بن ثابت نفسه يصفه بالحسن والجمال فيقول:

وأحسن منك لم تر قط عيني

وأجمل منك لم تلد النساء

والإشادة بجمال النبي وحسنه ليست من الفضول، كما يتوهم بعض الناس، فإن فن المديح يوجب هذا اللون من الوصف، وقد عرض الصفدي في شرح لامية العجم إلى هذه المسألة فقال: «وما زال الشعراء يصفون الممدوح بالحسن والصباحة والطلاقة، ويشبهونه بالشمس والبدر والصبح، وذلك مشهور لا يحتاج إلى شاهد يؤيده.»

60

يضاف إلى ذلك أن أصحاب رسول الله درجوا على وصف ملامحه الجسمية، ولذلك مواطن في كتب الحديث، وهو نفسه كان جميلا، والأنبياء في الغالب كانوا من أهل الجمال؛ لأن الدعوة إلى الحق تحتاج إلى شفيع من الوجه المقبول.

وما نحب أن يغلب علينا التزمت فيفوتنا النص على أثر الصنعة في حديث أم معبد، فالقصة تبدو لنا كالمصنوعة، وهي على كل حال شاهد على ما كان يحب القدماء أن يوصف به الرسول، وشعر الهاتف كذلك مصنوع، وهو مع أبيات حسان من طلائع المدائح النبوية. (10)

ويظهر الروح الديني في مدائح حسان لمن يقرأ مراثيه للرسول، وهي مراث مصبوغة بالصبغة الدينية، يتكلم فيها الشاعر عن المنبر والمصلى والمسجد والوحي، ويذكر بكاء الأرض والسموات، ويتشوق إلى لقاء النبي

صلى الله عليه وسلم

في الفردوس، ويشير إلى ما ورث عنه المسلمون من الرشد والهدى، وله في ذلك قصائد ثلاث دالية تفيض بالمعاني الرقيقة السمحة، وتنم عن روح ديني مصقول، وهي قصائد لينة من حيث النسج، بحيث نخشى أن تكون من الشعر المنحول، فإنها لو أضيفت إلى رجل كالبوصيري لقبلت؛ لما يغلب عليها من الرقة واللين، ويكفي أن نقدم أولى هذه القصائد:

بطيبة رسم للرسول ومعهد

منير وقد تعفو الرسوم وتهمد

61

ولا تنمحي الآيات من دار حرمة

بها منبر الهادي الذي كان يصعد

وواضح آيات وباقي معالم

وربع له فيه مصلى ومسجد

به حجرات كان ينزل وسطها

من الله نور يستضاء ويوقد

62

معالم لم تطمس على العهد آيها

أتاها البلى فالآي منها تجدد

عرفت بها رسم الرسول وعهده

وقبرا به واراه في الترب ملحد

ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت

عيون ومثلاها من الجفن تسعد

63

تذكر آلاء الرسول - وما أرى

لها محصيا - نفسي فنفسي تبلد

64

مفجعة قد شفها فقد أحمد

فظلت لآلاء الرسول تعدد

65

أطالت وقوفا تذرف العين جهدها

على طلل القبر الذي فيه أحمد

فبوركت يا قبر الرسول وبوركت

بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد

66

وبورك لحد منك ضمن طيبا

عليه بناء من صفيح منضد

67

تهيل عليه الترب أيد وأعين

عليه وقد غارت بذلك أسعد

68

لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة

عشية علوه الثرى لا يوسد

وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم

وقد وهنت منهم ظهور وأعضد

يبكون من تبكي السموات يومه

ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد

69

وهل عدلت يوما رزية هالك

رزية يوم مات فيه محمد؟

تقطع فيه منزل الوحي عنهم

وقد كان ذا نور يغور وينجد

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٩