تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

70

يدل على الرحمن من يقتدي به

وينقذ من هول الخزايا ويرشد

إمام لهم يهديهم الحق جاهدا

معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا

عفو عن الزلات يقبل عذرهم

وإن يحسنوا فالله بالخير أجود

فبينا هم في نعمة الله بينهم

دليل به نهج الطريقة يقصد

عزيز عليه أن يحيدوا عن الهدى

حريص على أن يستقيموا ويهتدوا

عطوف عليهم لا يثني جناحه

إلى كنف يحنو عليهم ويمهد

71

فبينا هم في ذلك النور إذ غدا

إلى نورهم سهم من الموت مقصد

72

فأصبح محمودا إلى الله راجعا

يبكيه جفن المرسلات ويحمد

73

إلى أن يقول:

فبكي رسول الله يا عين عبرة

ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد

74

وما لك لا تبكين ذا النعمة التي

على الناس منها سابغ يتغمد؟

75

وما فقد الماضون مثل محمد

ولا مثله حتى القيامة يفقد

أعف وأوفى ذمة بعد ذمة

وأقرب منه نائلا لا ينكد

وأبذل منه للطريف وتالد

إذا ضن معطاء بما كان يتلد

76

وأكرم حيا في البيوت إذا انتمى

وأكرم جدا أبطحيا يسود

77

رباه وليدا فاستتم تمامه

على أكرم الخيرات رب ممجد

تناهت وصاة المسلمين بكفه

فلا العلم محبوس ولا الرأي يفند

أقول ولا يلفى لقولي عائب

من الناس إلا عازب العقل مبعد

78

وليس هوائي نازعا عن ثنائه

لعلي به في جنة الخلد أخلد

مع المصطفى أرجو بذاك جواره

وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد

وهذه القصيدة ضعيفة من الوجهة الشعرية، ولكنها من خير الشواهد لما نحن بسبيله من تأريخ المدائح النبوية، والقارئ يلاحظ أن هذه المرثية لم تقل عقب وفاة الرسول

صلى الله عليه وسلم ، وإنما قيلت بعد موته بزمان، بدليل قوله:

معالم لم تطمس على العهد آيها

أتاها البلى فالآي منها تجدد

عرفت بها رسم الرسول وعهده

وقبرا به واراه في الترب ملحد

ورثاء النبي بعد موته بمدة فيه نزعة صوفية، ويؤيد هذا ما جاء في ختام القصيدة من رغبة الشاعر في أن يثيبه الله على مدحه بالخلد في جنة الخلد، ورجائه أن يكون من جيران المصطفى في الدار الباقية، وهو يعلن أنه في نيل ذلك اليوم يسعى ويجهد، فبكاء الرسول في هذه المرثية ليس إلا ثناء عليه وعلى دينه القويم، وليس من الرثاء المألوف الذي يقع من الشاعر حين يفجع في رئيس أو صديق.

ومن الألفاظ التي تجب الإشارة إليها بين ألفاظ هذه القصيدة كلمة «طيبة»، وسيكثر ذكرها في المدائح النبوية، وكذلك وصف الرسول

صلى الله عليه وسلم

بأنه «الهادي»، أما كلمة «الطريقة» في قوله:

فبينا هم في نعمة الله بينهم

دليل به نهج الطريقة يقصد

فستصير كلمة اصطلاحية عند الصوفية، وسنراهم يقولون: «كل شيخ له طريقة»، وسيقولون: «الطريقة الشاذلية» و«الطريقة الخلوتية» إلى آخر ما ابتدعوا من الطرائق.

وفي قصيدة أخرى يقول:

يا بكر آمنة المبارك بكرها

ولدته محصنة بسعد الأسعد

ووصف الرسول بأنه ابن آمنة من كلمات التمجيد التي أذاعها حسان، وستكثر في المدائح النبوية، وقوله في ختام إحدى القصائد:

صلى الإله ومن يحف بعرشه

والطيبون على المبارك أحمد

سيصير من التعابير المألوفة في كلام من يمدحون الرسول.

وعبارة «صلى الإله» جملة دعائية، كان حسان يقولها في الرسول، وفي أصحابه، كقوله يرثي أصحاب الرجيع:

صلى الإله على الذين تتابعوا

يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا

ونجد مويلك المزموم يرثي امرأته فيقول:

صلى عليك الله من مفقودة

إذ لا يلائمك المكان البلقع

ونرى آخر يقول:

صلى الإله على صفيي مدرك

يوم الحساب ومجمع الأشهاد

ولكن هذه العبارة ستقصر فيما بعد على الرسول، وستحل محلها في الرثاء عبارة «يرحمه الله» كقول أحد الشعراء:

يرحمك الله من أخي ثقة

لم يك في صفو وده كدر (11)

وبعد مدائح حسان ومراثيه تجيء الفقرات المنسوبة إلى علي بن أبي طالب، ونثر علي من المشكوك في صحته ولكنا نستشهد به لأمرين؛ الأول: تصويره لما كان يفهم القدماء من حال علي الروحية، فهو - على فرض وضعه - صورة للأدب الذي كان يتمثلون ذيوعه في تلك الأيام في خطب أصحاب الرسول.

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ١٠