تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروح القدس ليس له كفاء

وقال الله قد أرسلت عبدا

يقول الحق إن نفع البلاء

شهدت به فقوموا صدقوه

فقلتم لا نقوم ولا نشاء

وقال الله قد سيرت جندا

هم الأنصار عرضتها اللقاء

40

لنا في كل يوم من معد

سباب أو قتال أو هجاء

فنحكم بالقوافي من هجانا

ونضرب حين تختلط الدماء

41

ألا أبلغ أبا سفيان عني

مغلغلة فقد برح الخفاء

42

بأن سيوفنا تركتك عبدا

وعبد الدار سادتها الإماء

43

هجوت محمدا فأجبت عنه

وعند الله في ذاك الجزاء

أتهجوه ولست له بكفء

فشركما لخيركما الفداء

هجوت مباركا برا حنيفا

أمين الله شيمته الوفاء

فمن يهجو رسول الله منكم

ويمدحه وينصره سواء

فإن أبي ووالدتي وعرضي

لعرض محمد منكم وقاء

وهنا تظهر بوادر التصوف، فالشاعر كان ينتظر الجزاء من الله حين أجاب عن الرسول

صلى الله عليه وسلم ، ويجعل أباه وجده وعرضه وقاء لعرض النبي من خصومه الألداء، وكذلك يمكن عد هذه القصيدة من بذور المدائح النبوية. (9)

وفي ديوان حسان أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم الليثي عبد الله بن الأريقط مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة

44

تحتبي بفناء قبتها، ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرا ولحما ليشتروا منها فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين،

45

فنظر رسول الله

صلى الله عليه وسلم

إلى شاة في كسر الخيمة فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: هل لها من لبن؟ قالت هي أجهد من ذلك. قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا بها رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، ومسح بيده ضرعها وسمى الله تعالى، ودعا لها في شأنها فتفاجت

46

عليه، ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه حتى علاه البهاء

47

ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم، ثم أراضوا،

48

ثم حلب فيه ثانيا بعد بدء حتى امتلأ الإناء ثم غادره عندها، وارتحلوا عنها، فما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا، تساوك

49

هزالا، مخاخهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد، والشاء عازب حيال،

50

ولا حلوب في البيت؟! قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا. قال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة،

51

ولم تزر به صعلة،

52

وسيما قسيما، في عينيه دعج وفي أشفاره وطف،

53

وفي عنقه سطع ،

54

وفي صوته صحل،

55

وفي لحيته كثاثة، أزج، أقرن،

56

إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، فهو أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأملحهم من قريب، حلو المنطق فصل، لا نزر ولا هزر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة: لا بائن من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.

57

قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت بأن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا، فأصبح صوت بمكة عاليا، يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول:

جزى الله رب الناس خير جزائه

رفيقين قالا خيمتي أم معبد

هما نزلاها بالهدى واهتدت به

فقد فاز من أمسى رفيق محمد

فيا لقصي ما زوى الله عنكم

به من فخار لا يبارى وسؤدد

ليهن بني كعب مقام فتاتهم

ومقعدها للمؤمنين بمرصد

سلوا أختكم عن شاتها وإنائها

فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد

دعاها بشاة حائل فتحلبت

له بصريح درة الشاة مزبد

58

فغادرها رهنا لديها لحالب

يرددها في مصدر ثم مورد

فلما سمع بذلك حسان قال يجاوب الهاتف:

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٨