يرضى بها كل من كانت سريرته
تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم
أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة
إن الخلائق فاعلم شرها البدع
لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم
عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
إن كان في الناس سباقون بعدهم
فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
ولا يضنون عن مولى بفضلهم
ولا يصيبهم في مطمع طبع
لا يجهلون وإن حاولت جهلهم
في فضل أحلامهم عن ذاك متسع
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم
لا يطبعون ولا يرديهم الطمع
24
كم من صديق لهم نالوا كرامته
ومن عدو عليهم جاهد جدعوا
25
أعطوا نبي الهدى والبر طاعتهم
فما ونى نصرهم عنه وما نزعوا
إن قال سيروا أجدوا السير جهدهم
أو قال عوجوا علينا ساعة ربعوا
26
ما زال سيرهم حتى استقاد لهم
أهل الصليب ومن كانت له البيع
خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبوا
ولا يكن همك الأمر الذي منعوا
فإن في حربهم - فاترك عداوتهم -
شرا يخاض عليه الصاب والسلع
27
نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها
إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم
وإن أصيبوا فلا خور ولا جزع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع
أسد ببيشة في أرساغها فدع
28
إذا نصبنا لقوم لا ندب لهم
كما يدب إلى الوحشية الذرع
29
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم
إذا تفرقت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحي قلب يؤازره
فيما يحب لسان حائك صنع
فإنهم أفضل الأحياء كلهم
إن جد بالناس جد القول أو شمعوا
30
وهذه القصيدة تمجيد لأتباع الرسول، والشاعر مدفوع إليها بقوة العصبية، وليس فيها من روح الدين إلا إشارته إلى وحي القلب؛ إذ يقول:
أهدى لهم مدحي قلب يؤازره
فيما يحب لسان حائك صنع (8)
ومن جيد شعر حسان قصيدته الهمزية في مدح الرسول وهجاء أبي سفيان، وهي كذلك تجري على الطرائق الجاهلية، يبدؤها الشاعر بذكرى الديار الخالية، فيقول:
عفت ذات الأصابع فالجواء
إلى عذراء منزلها خلاء
31
ديار من بني الحسحاس قفر
تعفيها الروامس والسماء
32
وكانت لا يزال بها أنيس
خلال مروجها نعم وشاء
وينتقل إلى الحديث عن طيف محبوبته، فيقول:
فدع هذا ولكن من لطيف
يؤرقني إذا ذهب العشاء
لشعثاء التي قد تيمته
فليس لقلبه منها شفاء
كأن سبيئة من بيت رأس
يكون مزاجها عسل وماء
33
على أنيابها أو طعم غض
من التفاح هصره اجتناء
إذا ما الأشربات ذكرن يوما
فهن لطيب الراح الفداء
نوليها الملامة إن ألمنا
إذا ما كان مغث أو لحاء
34
ونشربها فتتركنا ملوكا
وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
35
وهذا الاستطراد من النسيب إلى الخمريات كان معروفا في الجاهلية، وقد وقع مثله في لامية كعب التي مدح بها الرسول، ولنا أن نلاحظ أن هذين الشاعرين لم يغيرا شيئا من المذاهب الشعرية حين خاطبا النبي
صلى الله عليه وسلم ، ولم يتورعا عن ذكر الخمر والنساء، والتحسر على ملاعب الشباب.
وليس هذا بغريب، فإن المذاهب الأدبية لا تتغير في عام أو عامين، ومن الإسراف أن ننتظر ذلك، فسنرى حين يمتد بنا البحث أن الكلام عن الخمر والنساء سيصير من المألوف في المدائح النبوية، غير أنه كان عند هذين الشاعرين من الحقائق، وسيصير عند المتأخرين من الرمزيات، فشعثاء وسعاد في همزية حسان ولامية كعب حسناوان كان لهما وجود، والخمر كانت مما عرف هذان الشاعران، ولو في الجاهلية، أما عند المتأخرين من شعراء الصوفية فليلى أو شعثاء أو سعاد، والصهباء أو الشمول، كل أولئك من الأسماء الرمزية، وأثر الحقيقة هنا ليس أقوى من أثر الخيال هناك.
وانتقل حسان إلى تهديد أعداء النبي
صلى الله عليه وسلم ، فقال:
عدمنا خيلنا إن لم تروها
تثير النقع موعدها كداء
36
يبارين الأعنة مصعدات
على أكتافها الأسل الظماء
37
تظل جيادنا متمطرات
تلطمهن بالخمر النساء
38
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا
وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم
يعز الله فيه من يشاء
39
وجبريل رسول الله فينا