ومن الذين عارضوها ابن نباتة المصري، ومطلع قصيدته:
ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول
هذا وكم بيننا من ربعكم ميل
وابن سيد الناس اليعمري، واسم قصيدته «عدة المعاد في عروض بانت سعاد»، والمطلع:
قلبي بكم يا أهيل الحي مأهول
وحبله بأماني الوصل موصول
وعارضها أبو حيان الأندلسي بقصيدة سماها «المورد العذب في معارضة قصيدة كعب»، والمطلع:
لا تعذلاه فما ذو الحب معذول
العقل مختبل والقلب متبول
وعارضها أيضا القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، ثم قال:
لقد قال كعب في النبي قصيدة
وقلنا عسى في مدحه نتشارك
فإن شملتنا بالجوائز رحمة
كرحمة كعب فهو كعب مبارك
وتوارث المسلمون احترام قصيدة كعب، حتى قال أبو جعفر الألبري: «حدثني بعض أشياخنا بالإسكندرية بإسناده أن بعض العلماء كان لا يستفتح مجلسه إلا بقصيدة كعب، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فقلت: يا رسول الله قصيدة كعب أنشدها بين يديك؟ فقال: نعم، وأنا أحبها وأحب من أحبها. قال: فعاهدت الله أنني لا أخلو من قراءتها كل يوم.»
قال أبو جعفر: «ولم تزل الشعراء من ذلك الوقت إلى الآن ينسجون على منوالها، ويقتدون بأقوالها، تبركا بمن أنشدت بين يديه، ونسب مدحها إليه.»
18
واهتم بها المستشرقون، فترجمها رنيه باسيه إلى الفرنسية، واهتم الدكتور ر. و. بترجمة حاشية الباجوري إلى الفرنسية، وكذلك شغلت الشراح والناسخين والطابعين في الشرق والغرب.
ويمكن الحكم بأن شهرتها في البيئات الأدبية والدينية نقشت اسمها في ذهن كل من شدا في الأدب والدين.
ومن الواضح أن تلك الرؤيا النبوية لا تدل على شيء أكثر من اهتمام المتصوفين بتلك القصيدة، وإيمانهم بأنها ظفرت من الرسول بأحسن القبول.
وجملة ما كتب في شرح قصيدة كعب، وما قيل في تشطيرها وتخميسها، يبين أثرها في اللغة والأدب، ولولا ما في ألفاظها من الوعورة لشاعت في البيئات الصوفية وأصبحت من جملة الأوراد، وكان لها ما صار للبردة من السيرورة بين العوام والخواص.
ومن أسباب وقوفها عند الدوائر الأدبية واللغوية ما جاء فيها من الوصف المطول للناقة، فإنه من المعاني «المحلية» التي لا يتذوقها غير الأعراب. (7)
ويأتي بعد شعر الأعشى وشعر كعب شعر حسان بن ثابت، وهذا الرجل كان أكبر شعراء الرسول، ويمتاز بالصدق والإخلاص، ولكن شعره على قوة روحه لا يكاد يضاف إلى المدائح النبوية التي ندرسها في هذا الكتاب، فقد كان يمدح الرسول ويقارع خصومه على الطرائق الجاهلية، وكان الرسول أوصاه أن يتعلم الأنساب من أبي بكر ليكون شعره أوجع في الهجاء، وكذلك استطاع بفضل ما عرف من أنساب قريش أن يهجوهم هجاء موجعا كان النبي يراه أشد عليهم من وقع النبل.
وأقوى قصيدة في مدائح حسان هي العينية، والظرف الذي قيلت فيه يعين مذهب الشاعر: فهو يقارع الخصوم ويلاحيهم، ويتخذ مدح الرسول ومدح أهله سنادا لما عمد إليه من المقارعة والملاحاة. ومن حديث هذه العينية أن وفد تميم لما قدموا على النبي قالوا: جئنا لنفاخرك، وقد جئنا بشاعرنا وخطيبنا، فقام خطيبهم عطارد بن حاجب فتكلم، وقام خطيب الرسول ثابت بن قيس فأجاب، ثم قام شاعرهم الزبرقان بن بدر فقال:
نحن الكرام فلا حي يعادلنا
منا الملوك وفينا يقسم الربع
19
وكم قسرنا من الأحياء كلهم
عند النهاب وفضل العز يتبع
20
ونحن نطعم عند القحط مطعمنا
من الشواء إذا لم يؤنس القزع
21
ثم ترى الناس تأتينا سراتهم
من كل أرض هويا ثم نصطنع
فننحر الكوم عبطا في أرومتنا
للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
22
فلا ترانا إلى حي نفاخرهم
إلا استقادوا وكان الرأس يقتطع
23
إنا أبينا ولا يأبى لنا أحد
إنا كذلك عند الفخر نرتفع
فمن يقادرنا في ذاك يعرفنا
فيرجع القوم والأخبار تستمع
فقام حسان فقال:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم
قد بينوا سنة للناس تتبع