9
وهذه الظروف ترينا أن كعب بن زهير لم يقل لاميته وهو مأخوذ بعاطفة دينية قوية، تسمو به إلى روح التصوف، إنما هي قصيدة من قصائد المديح، يقولها الرجل حين يرجو أو يخاف، وليست من المدائح النبوية في شيء. (5)
تقع لامية كعب في ثمانية وخمسين بيتا، وهي من الشعر المحكم الرصين - وإن خلت من قوة الروح - وتجري على التقاليد الأدبية لشعراء الجاهلية، فيبدؤها الشاعر بهذا النسيب :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
متيم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا
إلا أغن غضيض الطرف مكحول
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة
لا يشتكى قصر منها ولا طول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت
كأنه منهل بالراح معلول
10
أكرم بها خلة لو أنها صدقت
موعودها أو لو ان النصح مقبول
لكنها خلة قد سيط من دمها
فجع وولع وإخلاف وتبديل
11
فما تدوم على حال تكون بها
كما تلون في أثوابها الغول
ولا تمسك بالعهد الذي زعمت
إلا كما يمسك الماء الغرابيل
فلا يغرنك ما منت وما وعدت
إن الأماني والأحلام تضليل
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا
وما مواعيدها إلا الأباطيل
أرجو وآمل أن تدنو مودتها
وما إخال لدينا منك تنويل
أمست سعاد بأرض لا يبلغها
إلا العتاق النجيبات المراسيل
12
وهنا ينتقل فيصف الناقة وصفا مفصلا يذكر بدالية طرفة بن العبد، وهو في ذلك يتابع ما كان معروفا لذلك العهد من التقاليد الشعرية، إلى أن يقول في مدح الرسول:
وقال كل خليل كنت آمله
لا ألهينك إني عنك مشغول
فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم
فكل ما قدر الرحمن مفعول
13
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوما على آلة حدباء محمول
أنبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ال
قرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم
أذنب وإن كثرت في الأقاويل
ويقول بعد أبيات:
إن الرسول لنور يستضاء به
وصارم من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم
ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشف
عند اللقاء ولا ميل معازيل
14
شم العرانين أبطال لبوسهم
من نسج داود في الهيجا سرابيل
15
لا يفرحون إذا نالت رماحهم
قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم
ضرب إذا عرد السود التنابيل
16
لا يقع الطعن إلا في نحورهم
وما لهم عن حياض الموت تهليل
وقد نظرت طويلا في هذه القصيدة فلم أر غير ما قررت، فهي قصيدة جاهلية تغلب عليها قوة السبك، ولكنها تكاد تخلو من روح الدين، ولا غرابة في ذلك، فإن كعب بن زهير لم يمدح الرسول إلا لينجو من الموت، ومن كان في مثل حاله لا ينتظر منه صدق الثناء. (6)
والذي نقول به في هذه القصيدة لم يقل به أحد من المتقدمين، فقد اهتموا بها اهتماما عظيما، وعدوها من أجل ما قيل في مدح الرسول، وعني بها الشعراء فشطروها وخمسوها وعارضوها، وأولع بشرحها فريق من كبار الرجال.
فمن الذين شطروها عبد القادر سعيد الرافعي، وأول تشطيره:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
والنوم والسهد مقطوع وموصول
والجسم بعد سعاد مدنف وصب
متيم إثرها لم يفد مكبول
ومن الذين خمسوها شعبان بن محمد بن داود المصري المتوفى سنة 828ه وله ثلاثة تخاميس، مطلع التخميس الثاني:
قل للعواذل مهما شئتمو قولوا
فليس لي بعد من أهواه معقول
ناديت يوم النوى والدمع مسبول
بانت سعاد ... ... ... ... ... ... ... ...
وأحمد بن محمد الجرجاوي، ومطلع تخميسه:
قلبي على حب من أهواه مجبول
ونقل شوقي لدى العشاق مقبول
17
ومن الذين شرحوها مسعود بن حسن بكري القنائي، واسم شرحه «الإسعاد لحل نظم بانت سعاد»، ومحمد صالح السباعي، واسم شرحه «بلوغ المراد على بانت سعاد»، وأحمد بن محمد اليمني، واسم شرحه «الجوهر الوقاد في شرح بانت سعاد»، وابن هشام الأنصاري، وقد رأينا شرحه يدرس في الأزهر غير مرة، فقد صير «بانت سعاد» مادة صالحة للفوائد اللغوية والنحوية، واعتمد الناصري على هذا الشرح، وشرحها عطاء الله بن أحمد مرتين، اسم الشرح الأول «حسن السير بقصيدة كعب بن زهير»، واسم الثاني «طريق الرشاد إلى تحقيق بانت سعاد»، وعلي بن سلطان الهروي، واسم شرحه «فتح باب الإسعاد في شرح بانت سعاد»، ومحمد حسن المرصفي، واسم شرحه «القول المراد من بانت سعاد»، وجمال الدين السيوطي، واسم شرحه «كنه المراد في شرح بانت سعاد».