تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتحدث كما تحدث قبله ناس عن فيض الماء من أصابع النبي، وبركة ما مست راحته من الزاد، وما خاطبته به الوحوش، فقال:

فاض الزلال المهنى من أصابعه

نعم الأصابع من كفيه والنيل

وبورك الزاد إذ مسته راحته

فحبذا مشرب منها ومأكول

وخاطبته وحوش البيد مقبلة

فالرجل عاسلة واللفظ معسول

وفي هذه القصيدة قطعة في مدح أصحاب الرسول، نظر فيها الشاعر إلى معاني كعب ومعاني البوصيري، فليس فيها جديد، ومن أظهر الشواهد على ذلك أن البوصيري يقول:

والكاتبون بسمر الخط ما تركت

رماحهم حرف شرك غير منعجم

فيجيء ابن نباتة فيقول:

الكاتبون من الأجسام ما اعتبرت

سود وبيض فمنقوط ومشكول

ومن الغرام بالإشارات الاصطلاحية قوله في وصف الرسول:

مجاهدا في سبيل الله مصطبرا

على الجراح وبعض الجرح تعديل

يشير إلى بعض القواعد في علم مصطلح الحديث. (8)

أما الميمية فهي أقصر مدائحه وأضعفها، ولم يبتدئها بالنسيب كما فعل في أخواتها من قبل، ولم يأت فيها بمعنى طريف، وإنما أعاد الحديث عن نار كسرى، وذكرنا بألاعيبه اللفظية حين قال:

بمقامك المرفوع يخفض ذنبنا ال

منصوب إن رجاءنا المجزوم (9)

وخلاصة القول أن ابن نباتة كان من المولعين بالمدائح النبوية كأهل عصره، وله في ذلك قصائد بعضها جيد وبعضها ضعيف. ويجب أن نتذكر أن ابن نباتة كان من المفتونين بالمجون، وفي ديوانه مقطوعات كثيرة فيها دعارة وفسق، وفيها تزيين للإثم والغواية، وتلك اتجاهات نفسية توحي إلى من كان في مثل رقة حسه أن يفزع إلى الندم والمتاب، وكذلك نجد في مدائحه رقة المستغفر المنيب، ولا ينقض ذلك أن يكون شعره ضعيفا في الاستغفار والإنابة، فإن ذلك الضعف لا يرجع إلى قيمة الصدق في توبته، ولكنه يرجع إلى ضعف الشاعرية عند ابن نباتة، فلن نرى شعره في أصدق مواقفه أقوى من شعره في استغفاره وإنابته، وعودته إلى مدح الرسول من حين إلى حين تؤكد ميل نفسه إلى هذا الفن، وتدل على رغبته في الخلاص من آصار الذنوب.

ولا ننس النص على أن اهتمامه بمعارضة قصيدة كعب والإشارة إلى همزية حسان يدل على سيرورة تلك القصائد، وقربها من أذهان الناس، وعدها من أصول المدائح النبوية.

ولننص أيضا على أن جامع ديوان ابن نباتة رتبه على حروف المعجم، ورأى أن يجعل ما قيل في مدح الرسول رأس الباب؛ فالهمزية هي أولى القصائد في باب الهمزة، والرائية أولى القصائد في باب الراء، وهكذا، وفي ذلك ما يدل على منزلة المدائح النبوية في أنفس مصنفي الدواوين.

وأغرب ما لاحظناه أن ابن نباتة لم يشغل نفسه بمعارضة ميمية البوصيري، مع أنها كانت شغل الشعراء في ذلك الحين، فدل بذلك على أنه استقل عن الروح السائد في عصره بعض الاستقلال.

| خاتمة الكتاب: قصة المولد النبوي

(1)

هذه القصة نوع من المدائح النبوية، وهي ليست قديمة العهد في التاريخ الإسلامي، وإن زعم بعض مؤلفي الموالد أن النبي أوصى في حياته بأن يحتفل المسلمون بمولده بعد أن يموت، وأغلب الظن أن الاحتفال بالمولد نشأ في بلاد فارس. وأقدم ما وصلت إليه في تاريخ هذا النوع من الاحتفال ما قرأته في نفح الطيب عن ابن دحية، وقد مر بأربل سنة 604ه ورأى مظهر الدين كوكبري معتنيا بعمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول من كل عام، فصنف له كتابا سماه: «التنوير في مولد السراج المنير» وختمه بقصيدة طويلة فأجازه مظهر الدين بألف دينار.

1

ومن المؤكد أن تأليف الموالد أقدم من ذلك؛ فقد استعملت لفظة «مولد» بمعنى «تاريخ» منذ عهد بعيد، وللواقدي كتاب اسمه: «مولد الحسن والحسين». (2)

لا جدال في أن المسلمين اهتموا منذ عهد بعيد بتدوين أخبار الرسول، أما وضع القصص الخيالية عن مولده ونبوته وأزواجه وغزواته، فهو من عمل الصوفية، وهم الذين اتخذوا قصة مولده أحبولة يتصيدون بها أهواء الناس. والذي ينظر في تقاليد الصوفية يراهم أدخلوا المولد في صميم الحياة الدينية؛ أي جعلوه عنصرا أصيلا في الحفلات الشعبية، فتقرأ القصة في ربيع الأول وفقا للتقاليد الرسمية، ثم تقرأ في كل وقت حين تخلق المناسبات، كحفلات التهاني وحفلات الأعراس، وقد صار الاحتفال بالمولد من الأعياد الرسمية في مصر بفضل الدعاية الصوفية.

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٥٧