والقصيدة على طولها ليس فيها جديد؛ فهي معان مكررة تعاورها المادحون من قبل، وقد ختمت القصيدة بقطعة جزلة توسل فيها الشاعر بالرسول، واستعداه على ما يقاسي من الذل والاغتراب. (6)
وتقع العينية في ثمانية وثمانين بيتا، منها ستة وعشرون في النسيب، والنسيب في هذه القصيدة ضعيف، والشاعر يمضي فيه على ما ألف من الإشارات، كان يقول:
بانت سعاد فليت يوم رحيلها
فسح اللقا فلثمت كعب مودعي
يشير إلى «سعاد» في قصيدة كعب بن زهير، والمدح في هذه القصيدة ضعيف أيضا، وهو فيه يقتبس بعض التعابير القديمة كقوله:
ماذا عسى المدح الطهور يدير من
كأس الثنا بعد الكتاب المترع
بعد الحواميم التي بثنائها
هبطت إليك من المحل الأرفع
والشطر الأخير من قصيدة ابن سينا في النفس.
والشاعر مفتون بهذه القصيدة، ويرى نفسه خليفة حسان فيقول:
إن كنت حسانا بمدحك نائبا
فسناك أرشده وقال لي اتبع
وفي القصيدة قطعة طويلة بكى فيها الشاعر صباه، وتألم من غفلته بعد الشيب عن المتاب. (7)
أما اللامية فتقع في تسعة وسبعين بيتا، منها خمسة وعشرون في النسيب، وهي قصيدة نظمها الشاعر معارضة لقصيدة بانت سعاد، وقد اقتبس من لامية كعب شطرات كثيرة، كقوله:
ما يمسك الهدب دمعي حين أذكركم
إلا كما يمسك الماء الغرابيل
وهو مقتبس من قول كعب:
ولا تمسك بالعهد الذي زعمت
إلا كما يمسك الماء الغرابيل
وقوله:
باتت زخارفها بالصبر واعدة
وما مواعيدها إلا الأباطيل
وهو مقتبس من قول كعب:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا
وما مواعيدها إلا الأباطيل
وهو نفسه قد أفصح عما يؤكد هذه المعارضة إذ قال:
يا خاتم الرسل لي في المذنبين غدا
على شفاعتك الغراء تعويل
إن كان كعب بما قد قال ضيفك في
دار النعيم فلي في الباب تطفيل
وأين كابن زهير لي شذا كلم
ربيعها بغمام القرب مطلول
بانت معاذير عجزي عن نداك وعن
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
والنسيب في هذه القصيدة لا يخلو من روعة، كقوله في خطاب الأحباب:
يا باعثين سهادا لي وفيض بكا
مهما بعثتم على العينين محمول
هبكم منعتم جفوني من خيالكم
فكيف يمنع تذكار وتخييل
في ذمة الله قلب يوم بينكم
موزع ودم في الحب مطلول
شغلتم بصباح الأنس مبتسما
وناظري بظلام الليل مشغول
كأنما الأفق محراب عكفت به
والنيرات بأفقيه القناديل
وقوله: «مهما بعثتم على العينين محمول» من التعابير الحية في القرى المصرية.
ومن الكلام المقبول قوله في تفدية زمن الوصل:
يفدي الزمان الذي في عامه قصر
هذا الزمان الذي في يومه طول
أما قوله:
لو كنت أرتاع من عذل لروعني
سيف المشيب برأسي وهو مسلول
أما ترى الشيب قد دلت كواكبه
على الطريق لو ان الصب مدلول
حتام أسأل عن لهو وعن لعب
وفي غد أنا عن عقباه مسئول
فهو مسايرة للبوصيري في قصيدته الميمية.
فإذا انتقلنا إلى المديح رأيناه يعود إلى معانيه الماضية فيذكر أن محمدا جبل معنى نبوته قبل أن يجبل آدم، وأن تاج علاه ارتفع قبل أن يرتفع ضوء البدر والنجم، فيقول:
محمد المجتبى معنى جبلته
وما لآدم طين بعد مجبول
والمجتلى تاج علياه الرفيع وما
للبدر تاج ولا للنجم إكليل
ولا يكتفي بهذه الدعوى، بل يدعي أنه لولا النبي لم تخلق الأرض ولا الأفق ولا الزمان ولا الناس ولا المناسك، ولا كان في الدنيا وحي ولا تنزيل، وأن أبرهة لم ينهزم إلا بسره، وذلك حيث يقول:
لولاه ما كان أرض ولا أفق
ولا زمان ولا خلق ولا جيل
ولا مناسك فيها للهدى شهب
ولا ديار بها للوحي تنزيل
ذو المعجزات التي ما اسطاع أبرهة
يغزو منازلها كلا ولا الفيل
ويعود إلى ما تحدث عنه في الرائية من خدمة جبريل فيقول:
ما زال في الخلق ذا جاه وذا خدم
لكن خادمه المشهور جبريل
وقد سره أن يكون أبرهة انهزم بسر النبي قبل مولد النبي فعاد إليه في القصيدة نفسها مرة ثانية، فقال:
حامي حمى البيت بالرعب المقدم ما
ناواه أبرهة العادي ولا الفيل