ولم نستطع الوصول إلى معرفة أول من ألف في الموالد، فليكتف القارئ الآن بأن يعرف أن من أقدم ما عرفنا من هذا النوع كتاب «العروس»، وهو مولد ألفه ابن الجوزي المتوفى سنة 597ه، ورسالة ابن جابر الأندلسي المتوفى سنة 780ه، ورسالة الرعيني الغرناطي المتوفى سنة 779ه.
وفي دار الكتب المصرية نحو أربعين مولدا ألفت في عصور مختلفة، ولو استقصينا لعرفنا أن هذا النوع من التأليف كثر جدا؛ فلكل طريقة مولد، بل لكل شيخ مولد، وهي جميعا تتشابه في الغرض والأسلوب. (3)
ولننص على أن أكثر الموالد نظم في نثره نظما غنائيا ليصلح للترتيل والتغني والإنشاد، ولم يرج بين الجمهور إلا الموالد التي روعي فيها نظام الفواصل المسجوعة التي تجري مجرى القصيد في التزام القافية، ولنذكر لذلك شاهدين:
الشاهد الأول قول البرزنجي:
وظهر عند ولادته خوارق وغرائب غيبية؛
إرهاصا بنبوته وإعلاما بأنه مختار الله تعالى ومجتباه؛
فزينت السماء حفظا ورد عنها المردة وذوو النفوس الشيطانية،
ورجمت رجوم النيرات كل رجيم في حال مرقاه،
وتدلت إليه
صلى الله عليه وسلم
الأنجم الزهرية،
واستنارت بنورها وهاد الحرم ورباه،
وخرج معه
صلى الله عليه وسلم
نور أضاءت له قصور الشام القيصرية،
فرآها من ببطاح مكة داره ومغناه،
وانصدع إيوان كسرى بالمدائن الكسروية،
الذي رفع أنوشروان سمكه وسواه،
وسقط أربع وعشر من شرفاته العلوية،
وكسر سرير الملك كسرى لهول ما أصابه وعراه،
وخمدت النيران المعبودة بالممالك الفارسية،
لطلوع بدره المنير وإشراق محياه،
وغاضت بحيرة ساوة وكانت بين همذان وقم من البلاد العجمية،
وجفت إذ كف واكف موجها الثجاج ينابيع هاتيك المياه،
وفاض وادي سماوة وهي مفازة في فلاة وبرية،
ولم يكن بها من قبل ما ينقع للظمآن اللهاة.
والشاهد الثاني قول المناوي:
2
وفي أول ليلة من ليالي حمله
صلى الله عليه وسلم
أغلقت أبواب الجحيم، وفتحت أبواب الجنان الرضوانية،
واطلع الحي القيوم وتجلى برحمته ورضوانه التجلي العام،
واهتز العرش طربا ومال الكرسي عجبا وانتشرت الرايات الربانية،
وتلألأت الكائنات بالأنوار، وتنكست على رءوسها الأصنام،
ونطقت دواب قريش بالمقالات العربية،
وقالت حمل برسول الله
صلى الله عليه وسلم
ورب الكعبة فهو إمام الدنيا وسراج الأنام،
وفرت وحوش المشارق إلى وحوش المغارب بالبشائر القولية،
وبشرت حيتان البحر بعضها بعضا بظهور مصباح الظلام،
ونادى لسان حال الكائنات جاءنا اليسر بعد الشدائد العسرية،
وظهر إمام العدل والرقيب من الحواسد نام،
ولم تجد أمه في حمله وحما ولا تعبا ولا كربية،
ولا ثقلا، ولا هزلا، ولا مس آلام،
وكان بدء حمله
صلى الله عليه وسلم
في ليلة جمعة من الليالي الرجبية،
وانتهاؤه في شهر ربيع الأول ليلة الاثنين الثاني عشر من الأيام،
وكان
صلى الله عليه وسلم
وهو في بطن أمه يسبح ويقدس ذات ربه الوحدانية،
فكانت السيدة تسمع تسبيحه وتقديسه وهو في بطنها، فسبحوا من لا ينام. (4)
ويضاف إلى هذه المنظومات النثرية منظومات شعرية ينشدها المنشدون بعد كل وصلة، والوصلة تختم بدعاء مكرر كأن يقول المناوي:
اللهم عطر قبره بالتعظيم والتحية،
واغفر لنا ذنوبنا والآثام.
وتلك المنظومات الشعرية ساذجة في ألفاظها ومعانيها؛ فهي ليست من الأدب الفحل، ولكن قيمتها ترجع إلى عمق أثرها في البيئات الشعبية. (5)
ومن التحامل أن ننكر قيمة هذه الموالد من الوجهة الأدبية؛ فقد نقلت إلى الجماهير شيئا من أخبار الغزوات، وحدثتهم عن أشياء كثيرة من شمائل الرسول، ثم صارت مع الزمن عنصرا من الحياة الغنائية، وأصبحنا نفتح دفتر التليفون فنجد أسماء كثيرة لناس يحترفون إنشاد قصة المولد النبوي، وهي حرفة شريفة لأن أهلها في الأغلب ينتظر منهم أن يكونوا من الأتقياء الصالحين. ومع أن الغناء تحول في الأيام الأخيرة إلى الأوساط العصرية فإنه لا يزال للشيخ علي محمود، والشيخ إسماعيل سكر، والشيخ حسن جابر، سلطان عظيم في الأوساط الشعبية. ومحطة الإذاعة الحكومية في مصر تهتم بدعوة أمثال الشيخ علي محمود والشيخة منيرة عبده لتلاوة الموالد النبوية، فينشدون قصائد بعضها في الحب، وبعضها في مدح الرسول، والجمهور يتلقى ذلك بكثير من الارتياح.