وفود البيت ضاق بها الفضاء
فإن يتلى له في الحج حمد
فقدما قد تلته الأنبياء
ومن اللعب بالألفاظ هذان البيتان:
ونفس ذنبها كالنيل مدا
وما لوعود توبتها وفاء
مسوفة متى وعدت بخير
تقل سين وواو ثم فاء (5)
وتقع الرائية في تسعين بيتا، منها سبعة وثلاثون في النسيب، وهي خير ما قال في المدائح النبوية، وربما كانت خير ما في ديوانه من الشعر الجيد. وتمتاز هذه القصيدة بوضوح المعاني وقوة السبك، وفيها كذلك إشارة لبعض لفتات القدماء، ولا بد أن يكون معاصرو ابن نباتة تلقوها بكثير من القبول؛ لأنها بعث لروعة الشعر القديم، ولننظر كيف يقول:
صحا القلب لولا نسمة تتخطر
ولمعة برق بالغضا تتسعر
وذكر جبين البابلية إذ بدا
هلال الدجى والشيء بالشيء يذكر
سقى الله أكناف الغضا سائل الحيا
وإن كنت أسقى أدمعا تتحدر
وعيشا نضا عنه الزمان بياضه
وخلفه في الرأس يزهو ويزهر
تغير ذاك اللون مع من أحبه
ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
وكان الصبا ليلا وكنت كحالم
فيا أسفي والشيب كالصبح يسفر
يعللني تحت العمامة كتمه
فيعتاد قلبي حسرة حين أحسر
وينكرني ليلي وما خلت أنه
إذا وضع المرء العمامة ينكر
والقارئ يجد في هذا الشعر العذب كلمات «الغضا» و«البابلية»، ويجد «ومن ذا الذي يا عز لا يتغير»، ويجد «صحا القلب»، ويجد «العمامة»، وكل أولئك إشارات إلى معان تحدث عنها الشعراء الأقدمون.
وكذلك تطرد العذوبة في قوله بعد أبيات:
وغيداء أما جفنها فمؤنث
كليل وأما لحظها فمذكر
يروقك جمع الحسن في لحظاتها
على أنه بالجفن جمع مكسر
من الغيد تحتف الظبا بحجابها
ولكنها كالبدر في الماء يظهر
يشف وراء المشرفية خدها
كما شف من دون الزجاجة مسكر
ولا عيب فيها غير سحر جفونها
وأحبب بها سحارة حين تسحر
إذا جردت من بردها فهي عبلة
وإن جردت ألحاظها فهي عنتر
ومع حلاوة هذا الشعر فإنا لا نفهم جيدا كيف يؤنث الجفن ويذكر اللحظ، ولعله يريد فتور الجفن، وفتك اللحظ، والجمع المكسر في البيت الثاني فيه إشارة لطيفة. وقوله:
يشف وراء المشرفية خدها
كما شف من دون الزجاجة مسكر
فيه معنى جميل، و«المشرفية» هي اللثام، ولم أرها عند غير ابن نباتة، وهي كلمة مولدة، والبيت الأخير فيه تلاعب بالألفاظ، ولكنه مع ذلك مقبول.
وابن نباتة مغرم بأمثال هذه الألاعيب اللفظية، ونراه يقول في هذه القصيدة وهو يصف الناقة التي حملته إلى أرض الحجاز حيث قبر الرسول:
إذا ما حروف العيس خطت بقفرة
غدت موضع العنوان والعيس أسطر
فلله حرف لا ترام كأنها
لوشك السرى حرف لدى البيد مضمر
ومن أسماء الناقة: الحرف، فرأى الشاعر أن يجعل العيس أسطرا، وأن يجعل ناقته موضع العنوان، أما الحرف المضمر فوصف جميل، وإن لم يعرفه النحاة.
ثم يأخذ في مدح النبي فيبدأ بمعنى ساذج؛ إذ يذكر أن النبي تم مجده قبل أن يخلق آدم، وذلك قوله:
نبي أتم الله صورة فخره
وآدم في فخاره يتصور
وفي هذا البيت جناس سخيف.
ويجعل من شرفه أن جبريل خادمه، وأن عيسى بشر به، فيقول:
تحزم جبريل لخدمة وحيه
وأقبل عيسى بالبشارة يجهر
فمن ذا يضاهيه وجبريل خادم
لمقدمه العالي وعيسى مبشر
وعبارة «تحزم لخدمته» لا تزال حية في لغة التخاطب.
ويتحدث عن تهاوي النجوم ونضوب بحيرة ساوة ليلة مولده، كما تحدث غيره، فيقول:
تهاوى لمأتاه النجوم كأنها
تشافه بالخد الثرى وتعفر
وينضب طام من بحيرة ساوة
ولم لا وقد فاضت بكفيه أبحر
ويتمثل نوره يتنقل بين الأصلاب الكريمة، ويرى قوة إبراهيم وثورته على الأصنام فيضا من فضله، وكذلك يجعله السر في فدى الذبيحين ورد جيوش الفيل، وذلك قوله:
تنقل نورا بين أصلاب سادة
فلله منه في سما الفضل نير
به أيد الطهر الخليلي فانتحت
يداه على الأصنام تغزو وتكسر
ومن أجله جيء الذبيحان بالفدى
وصين دم بين الدماء مطهر
وردت جيوش الفيل عن دار قومه
فلله نصل قبل ما سل ينصر