تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

وهو بهذا التعقب يدلنا على أن أصحاب البديعيات كانت لهم تقاليد، منها أن يكون كل بيت شاهدا على نوعه بمجرده، ولا ندري كيف لا يصلح البيت أن يكون شاهدا على النوع المقصود إذا كان له تعلق بما بعده أو بما قبله، إن ذلك لمظهر جديد من تكلف أصحاب البديعيات. (12)

فإذا تجاوزنا النسيب إلى المديح رأيناه يتخلص فيقول:

ومن غدا قسمه التشبيب في غزل

حسن التخلص بالمختار من قسمي

محمد ابن الذبيحين الأمين أبو ال

بتول خير نبي في اطرادهم

عين الكمال كمال العين رؤيته

يا عكس طرف من الكفار عنه عمي

أبدى البديع له الوصف البديع وفي

نظم البديع حلا ترديده بفمي

كررت مدحي حلا في الزايد الكرم اب

ن الزايد الكرم ابن الزايد الكرم

وهذه القطعة تكفي لبيان ما في المديح من تكلف، وهو مديح غير مقصود لذاته، وإنما أريد به الوصول إلى عرض فنون البديع؛ فالبيت الأول في التخلص، والثاني في الاطراد، والثالث في العكس، والرابع في الترديد، والخامس في التكرار. فالناظم يلتزم كلمة خاصة في كل بيت، ويلتزم بجانب ذلك التمثيل، وهذا وذاك من موجبات التكلف والافتعال، والقصيدة كلها على هذا النمط فلا موجب للإسهاب.

الفصل الثاني عشر

| مدائح ابن نباتة المصري

موجز ترجمة ابن نباتة - غلبة البديع على شعره - تحليل الهمزية - تحليل الرائية - تحليل العينية - تحليل اللامية - نقد الميمية - خلاصة القول في مدائح ابن نباتة. *** (1)

ابن نباتة المصري جمال الدين محمد بن محمد: شاعر مكثر من شعراء القرن الثامن، ولد بالقاهرة في زقاق القناديل في ربيع الأول سنة 686ه، وتوفي يوم الثلاثاء من صفر سنة 768ه بالبيماريستان المنصوري، ودفن خارج باب النصر بتربة الصوفية. وليتنبه القارئ إلى كلمة «تربة الصوفية» فهي من الدلائل على غلبة التصوف في ذلك الزمان. (2)

وأهم ما ترك ابن نباتة في المدائح النبوية خمس قصائد: الأولى همزية مطلعها:

شجون نحوها العشاق فاءوا

وصب ما له في الصبر راء

والثانية رائية ومطلعها:

صحا القلب لولا نسمة تتخطر

ولمعة برق بالغضا تتسعر

والثالثة عينية، ومطلعها:

يا دار جيرتنا بسفح الأجرع

ذكرتك أفواه الغيوث الهمع

والرابعة لامية، ومطلعها:

ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول

هذا وكم بيننا من ربعكم ميل

والخامسة ميمية، ومطلعها:

أوجز مديحك فالمقام عظيم

من دونه المنثور والمنظوم (3)

وهذه المدائح كسائر شعر ابن نباتة تغلب عليها فنون البديع، وكانت هذه الفنون غلبت على الشعر كله في تلك الأيام، فلا ينس القارئ أن هذا كان منتهى البلاغة عند شعراء القرن الثامن، وليتذكر أن موقفنا من هذه الفنون ليس موقف اللائم، ولكنه موقف المؤرخ، وما نستهجنه اليوم من هذه الفنون كان الظفر بنكتة منه غاية ما يصبو إليه كبار الشعراء في ذلك الحين. (4)

تقع الهمزية في تسعة وستين بيتا، منها ستة عشر في النسيب، والنسيب في هذه القصيدة تافه، والشاعر يفرح بالنكتة اللفظية كأن يقول:

ولاح ما له هاء وميم

له من صبوتي ميم وهاء

ويسره أن يغرب في التشبيه فيقول:

كأن الحب دائرة بقلبي

فحيث الانتهاء الابتداء

ومدح النبي في هذه القصيدة تافه أيضا؛ فهو يتحدث عن نار المجوس كما تحدث سواه فيقول:

وفي نار المجوس لنا دليل

لأنفسهم بها ولها انطفاء

ويتوهم أن ناسا ينكرون ذلك فيقول:

فقل للملحدين تنقلوها

جحيما إننا منكم براء

وإن أبي ووالده وعرضي

لعرض محمد منكم وقاء

وفي هذا ما يشعر بأنه كان يعارض همزية حسان بن ثابت.

ويذكر أن نور النبي أصل لنور الشمس:

وأين الشمس منه سنا ولولا

سناه لما ألم بها سناء

وأنه يحارب بالدعاء وبالرأي وبالجيش:

سهام دعا له وسهام رأي

لها في كل معركة مضاء

درى ذو الجيش ما صنعت ظباه

وما يدريه ما صنع الدعاء

ويذكر أن الناس كانوا يحجون البيت بسره قبل أن يولد بأزمان فيقول:

ولولاه لما حجت وعجت

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٥٤