تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكلمة «لالا» في ص30 إذ يقول المؤلف: ومثله قول الشيخ شمس الدين المزين في غلام مليح، وله «لالا» مليح:

ومليح لالاه يحكيه حسنا

فهو كالبدر في الدجى يتلالا

قلت قصدي من الأنام مليح

هكذا هكذا وإلا فلا لا

وكلمة «سافل» يكثر ورودها في الخزانة بمعنى ضعيف كقوله: «يشير إلى تقريظ كتبه لبعض أهل الأدب على مصنف سافل»، وهي تقابل كلمة

inferieur

الفرنسية، وكانت في ذلك الحين كلمة خفيفة، وهي اليوم من صور السباب. (11)

إلى هنا عرف القارئ أشياء عن ابن حجة وعن كتابه «خزانة الأدب»، فلنأخذ في نقد بديعيته في مدح الرسول، وهي تقع في اثنين وأربعين ومائة بيت، وهو عدد ما اهتم بعرضه من ضروب البديع، وهذه المناسبة العددية بين أبيات القصيدة وبين الفنون البديعية ترينا أن المؤلف لم يهتم بالمدح النبوي اهتمامه بالبديع، وإن كان لا يزال يتذكر أن قصيدته مدحة نبوية فقد رأيناه يقول: إنها ببركة ممدوحها نور هذه المطالع.

وإعجاب الحموي بقصيدته لا يمنعنا من القول بخلوها من النفحات الشعرية، فليست إلا منظومة تذكر بأمثالها من منظومات «المتون»، وأهميتها ترجع إلى الناحية التعليمية، ولنسارع فنختبر النسيب في هذه البديعية.

لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم

براعة تستهل الدمع في العلم

بالله سر بي فسربي طلقوا وطني

وركبوا في ضلوعي مطلق السقم

ورمت تلفيق صبري كي أرى قدمي

يسعى معي فسعى لكن أراق دمي

وذيل الهم همل الدمع لي فجرى

كلاحق الغيث حيث الأرض في ضرم

يا سعد ما تم لي سعد يطرفني

بقربهم وقليل الحظ لم يلم

هل من يفي ويقي إن صحفوا عذلي

وحرفوا وأتوا بالكلم في الكلم

قد فاض دمعي وفاظ القلب إذ سمعا

لفظي عذل ملا الأسماع بالألم

أبا معاذ أخا الخنساء كنت لهم

يا معنوي فهدوني بجورهم

يكفي هذا للاستشهاد، فنسيب القصيدة كله من هذا القبيل، والمهم أن ندل القارئ على قيمة هذا النسيب، فهل رأى فيه معنى جيدا، أو لفظا طريفا؟ وهل يمكن الربط بين المعاني في أمثال هذه الأبيات؟ إن الشاعر نفسه لم يشرح معانيها في كتابه؛ لأنه لم يرد بها التشبيب، وإنما وقف عند ما قصد إليه من ضروب البديع، وهو نفسه حين فاضل بين أبياته وأبيات الموصلي والحلي لم يتحدث عن معاني النسيب، وإنما تحدث عن تأدية الفنون البديعية. والصنعة تظهر بصورة أوضح في مثل هذين البيتين في مخاطبة العذول:

يا عاذلي أنت محبوب لدي فلا

توارب العقل مني واستفد حكمي

جمع الكلام إذا لم تغن حكمته

وجوده عند أهل الذوق كالعدم

فالبيت الأول تكلفه الشاعر ليشير إلى المواربة، والبيت الثاني حكمة مفتعلة أشار بها إلى الكلام الجامع، وأظهر من هذين في التعمل قوله في التذييل والتفويف:

والله ما طال تذييل اللقاء بهم

يا عاذلي وكفى بالله في القسم

خشن ألن إحزن افرح امنع اعط أنل

فوف أجد وش رقق شد حب لم

ولا موجب للوم الشاعر على هذا الكلام الثقيل، فقد أنصف من نفسه حين قال في شرح البيت الثاني: «التفويف تأملته فوجدته نوعا لم يفد غير إرشاد ناظمه إلى طريق العقادة، والشاعر إذا كان معنويا وتجشم مشاقه تقصر يده عن التطاول إلى اختراع معنى من المعاني الغريبة وتجفوه حسان الألفاظ، ولم يعطف عليه برقة، وتأنف كل قرينة صالحة أن تسكن له بيتا.»

ومعنى هذا أنه لم يقصد بنظمه غير التمثيل للنوع البديعي، أما هو فلا يراه من ألوان البيان، ولكن هذا الشرح وما فيه من تكلف التخيل جاء أثقل من التفويف!

ومما يؤكد أن الصنعة هي المقصودة من هذه المنظومات أن الحموي عاب قول الحلي:

لا لقبتني المعالي بابن بحدتها

يوم الفخار ولا بر التقى قسمي

وقال: «فيه نقص؛ لأنه غير صالح للتجريد، ولم يأت ناظمه بجواب القسم إلا في بيت الاستعارة الذي ترتب بعده، وهو:

إن لم أحث مطايا العزم مثقلة

من القوافي تؤم المجد عن أمم

وأصحاب البديعيات شرطوا أن يكون كل بيت شاهدا على نوعه بمجرده، وإذا كان البيت له تعلق بما بعده أو بما قبله لا يصلح أن يكون شاهدا على ذلك النوع.»

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٥٣