تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهل أباكر بحر النيل منشرحا

وأشرب الحلو من أكواب ملاح؟

بحر تلاطمت علينا أمواجه حتى متنا من الخوف، وحملنا على نعش الغراب، وقامت واوات دوائره مقام مع، فنصبنا للغرق لما استوت المياه والأخشاب، وقارن العبد فيه سوداء استرقت مواليها وهي جارية، وغشيهم منها في اليم ما غشيهم، فهل أتاك حديث الغاشية؟ واقعها الريح فحملت بنا، ودخلها الماء فجاءها المخاض، وانشق قلبها لفقد رجالها، وجرى ما جرى على ذلك القلب ففاض، وتوشحت بالسواد في هذا المأتم، وسارت على البحر وهي مثل، وكم سمع فيها للمغاربة على ذلك التوشيح زجل ... إن نقر الموج على دفوفها لعبت أنامل قلوعها بالعود، وترقصنا على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرقص الخارج ونحن قعود، وتتشامم وهي كما قيل: أنف في السماء واست في الماء، وكم تطيل الشكوى إلى قامة صاريها عند الميل وهي الصعدة الصماء، فبها الهدى وليس لها عقل ولا دين، وتتصابى إذا هبت الصبا وهي ابنة مائة وثمانين، وتوقف أحوال القوم، وهي تجري بهم في موج كالجبال، وتدعي براءة الذمة، وكم أغرقت لهم من أموال. هذا وكم ضعف نحيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج، وكم وجلت القلوب لما صار لأهداب مجاديفها على مقلة البحر اختلاج، وكم أسبلت على وجنة البحر طرة قلعها فبالغ الريح في تشويشها، وكم مر على قريتها العامرة فتركها وهي خاوية على عروشها ... إلخ.»

16

وتلك كتابة كثيرة الافتنان، ولكنها قليلة المحصول. (9)

قلت: إن خزانة الأدب تمتاز بجمعها لطرائف كثيرة من أدب القرن الثامن، فلنذكر من شواهد ذلك ما أشار إليه المؤلف من معاني ابن نباتة التي أخذها الصلاح الصفدي، قال ابن نباتة:

ومولع بفخاخ

يمدها وشباك

قالت لي العين ماذا

يصيد قلت كراك

أخذه الصفدي فقال:

أغار على سرح الكرى عندما رمى ال

كراكي غزال للبدور يحاكي

فقلت ارجعي يا عين عن ورد حسنه

ألم تنظريه كيف صاد كراك

وقال ابن نباتة:

اسعد بها يا قمري برزة

سعيدة الطالع والغارب

صرعت طيرا وسكنت الحشا

فما تعديت عن الواجب

أخذه الصفدي فقال:

قلت له والطير من فوقه

يصرعه بالبندق الصائب

سكنت في قلبي فحركته

فقال لم أخرج عن الواجب

وقال ابن نباتة:

وبمهجتي رشا يميس قوامه

فكأنه نشوان من شفتيه

شغف العذار بخده ورآه قد

نعست لواحظه فدب عليه

أخذه الصفدي فقال:

وأهيف كالغصن الرطيب إذا انثنى

تميل حمامات الأراك إليه

له عارض لما رأى الطرف ناعسا

أتى خده سرا فدب عليه

وقال ابن نباتة:

بروحي عاطر الأنفاس ألمى

ملي الحسن حالي الوجنتين

له خالان في دينار خد

تباع له القلوب بحبتين

أخذه الصفدي فقال:

بروحي خده المحمر أضحت

عليه شامة شرط المحبه

كأن الحسن يعشقه قديما

فنقطه بدينار وحبه

ولما وقف ابن نباتة على هذين البيتين قال: لا إله إلا الله! الشيخ صلاح الدين سرق - كما يقال - من الحبتين حبة!

ولهذا الحديث بقية يجدها القارئ في ص348 و351 من خزانة الأدب، وهو في الأصل منقول عن كتيب لابن نباتة اسمه: «خبز الشعير».

ودرس كتاب الحموي يعطي صورا كثيرة من أدب القرن الثامن، والمؤلف يدون أخبار ذلك العهد في حماسة قوية تمثل إعجابه بأدب الصنعة في تلك الأيام.

ويزيد في قيمة ما في هذا الكتاب من فنون الاستطراد أنه يتحدث عن علماء وشعراء وكتاب لم يبق من آثارهم إلا القليل. (10)

وفي هذه الخزانة ألفاظ تستحق الدرس، من ذلك لفظة «أنفعل» في الصفحة الخامسة إذ يقول المؤلف: «وأما قصة إسحق بن إبراهيم الموصلي في هذا الباب فإني أنفعل وأخجل عند سماعها»، ولفظة «استهليتها» في ص23، والصواب «استهللتها» وليست غلطة مطبعية، بل هي من غلط المؤلف، بدليل أنها لا تزال مستعملة في الأزهر؛ إذ يقول الأشياخ في دروس البيان: «اشتقينا» في مكان «اشتققنا»، واللغة العامية تؤيد هذا الغلط، فالناس يقولون مثلا: «استقلينا هذه الكمية»، ويندر أن يفكوا إدغام المثلين.

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٥٢