وصلت ولكن بعد طول تشوق
ودنت وقد رقت لقلبي الشيق
وما أحلى ما قلت بعده:
فثملت من طرب برجع حديثها
فكأنما قد نادمت بمعتق»
5 (ب)
وقال في الحديث عن إحدى قصائده النبوية: «ومن ألطف الإشارات إلى أن هذا التغزل صدر قصيدة نبوية قولي:
أوري بذكر البان والرند والنقا
وسفح اللوى والجزع والقصد أنتم
ولم أزل في براعة الاستهلال أستهل أهلة هذه المعاني إلى أن وصلت إلى حسن التخلص.»
6 (ج)
وقال في تفضيل بديعيته: «وأما براعة بديعيتي، فإنها ببركة ممدوحها
صلى الله عليه وسلم
نور هذه المطالع، وقبلة هذا الكلام الجامع، فإني جمعت فيها بين براعة الاستهلال وحسن الابتداء بالشرط المقرر لكل منهما، وأبرزت تسمية نوعها البديعي في أحسن قوالب التورية، وشنفت بأقراط غزلها الأسماع ... إلخ.»
7 (د)
وقال يتحدث عن إحدى قصائده: «وقلت بعد المطلع أخاطب النسيم بما هو أرق منه.»
8 (ه)
ويقول عن بعض مؤلفاته: «وقد عن لي أن أورد هنا ما سارت في الخافقين حكمه وأمثاله، وانقاد أهل الذوق السليم لطاعته لما ورد عليهم مثاله، وهو تأليفي الذي وسمته بتغريد الصادح.»
9
ولهذه الكلمات نظائر كثيرة في خزانة الأدب، وأرجو ألا يضجر القارئ من هذا الزهو، فهو صورة نفسية لشاعر وكاتب ومؤلف كان في زمانه من الأعلام، وليست مهمة الباحث أن يقدم ما يروق، ولكن مهمته أن يقيد المحاسن والعيوب. (6)
وللحموي أحكام ذوقية وأدبية لا نقبلها اليوم، فهو مثلا يستعذب هذا البيت:
يزيد الهوى دمعي وقلبي المعنف
ويحيي جفوني الوجد وهو المكلف
10
ويستجيد هذا البيت:
أخرج حديثك من سمعي فما دخلا
لا ترم بالقول سهما ربما قتلا
وفي التعليق على هذا المطلع:
زار الصباح فكيف حالك يا دجى
قم فاستذم بفرعه أو فالنجا
يقول: «انظر إلى حسن هذا الابتداء، كيف جمع مع اجتناب الحشو بين رقة النسيب، وطرب التشبيب، وتناسب القسمين، وغرابة المعنى!»
11
ويرى مطلع ابن نباتة:
ما بت فيك بدمع عيني أشرق
إلا وأنت من الغزالة أشرق
أجود من مطلع المتنبي:
أرق على أرق ومثلي يأرق
وجوى يزيد وعبرة تترقرق (7)
وله مع هذا نظرات دقيقة في النقد، من ذلك إنكاره أن يستهل ابن نباتة الخطيب خطبته في وفاة النبي بقوله: «الحمد لله المنتقم ممن خالفه، المهلك من آسفه»،
12
وإن لم يكن أول من أنكر هذا الاستهلال. ومن ذلك أيضا استكراه الجناس؛ إذ يقول: «أما الجناس فإنه غير مذهبي، ومذهب من نسجت على منواله من أهل الأدب، وكذلك كثرة اشتقاق الألفاظ، فإن كلا منهما يؤدي إلى العقادة، والتقييد عن إطلاق عنان البلاغة في مضمار المعاني المبتكرة.»
13
ويقول فيمن يؤثرون الجناس: «ولم يحتج إليه بكثرة استعماله إلا من قصرت همته عن اختراع المعاني التي هي كالنجوم الزاهرة في أفق الألفاظ، وإذا خلت بيوت الألفاظ من سكان المعاني تنزلت منزلة الأطلال البالية.»
14
وهو يرى - كما رأى ابن جني من قبله بأجيال - أن المولدين يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ، ويؤكد أن لكل زمان بديعا، وأنه «ما ربيع الآخر من ربيع الأول ببعيد.»
15
واهتمامه بتدوين ما أثر عن أهل زمانه يؤيد هذا الرأي، فهو يوجز حين يستشهد بكلام القدماء، ويطنب حين يستشهد بكلام المحدثين. (8)
أما نثر الحموي فهو مملوء بالصنعة والزخرف، وفيه إشارات كثيرة إلى مصطلحات النحو والفقه والعروض، ويكفي هذا الشاهد في وصف البحر حين ركبه من الشام إلى مصر سنة 802ه. «وأبثك ما لاقيت من أهوال البحر، وأحدث عنه ولا حرج، فكم وقع المملوك من أعاريضه في زحاف تقطع منه القلب لما دخل إلى دوائر تلك اللجج، وشاهدت منه سلطانا جائرا يأخذ كل سفينة غصبا، ونظرت إلى الجواري الحسان، وقد رمت أزر قلوعها وهي بين يديه لقلة رجالها تسبى، فتحققت أن رأي من جاء يسعى في الفلك غير صائب، واستصوبت هنا رأي من جاء يمشي وهو راكب، وزاد الظمأ بالمملوك وقد اتخذ في البحر سبيله، وقد قلت من شدة الظمأ: يا ترى قبل الحفرة أطوي من البحر هذه الشقة الطويلة!