تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذه الكلمات تصريح بأن نظم البديعية كان مما اقترحه الفقيه الكاتب محمد بن البارزي بعد أن وقف بدمشق على بديعية عز الدين الموصلي، وفيها أيضا تعريف بالطريقة التي نظمت بها البديعية، فقد كان الحموي ينظم والبارزي ينقد، وكانت المفاضلة بين بديعية الموصلي والحلي والحموي مما يهتم به ذلك الفقيه الأديب، فكان لا يسمح للناظم بالانتقال من بيت إلى بيت إلا بعد الاطمئنان إلى تفوقه على الموصلي والحلي، وذلك كله يبين ما في بديعية الحموي من التكلف والافتعال. (4)

والحموي - وإن نظم البديعية إجابة لاقتراح البارزي - كان من المولعين بنظم المدائح النبوية، وله في ذلك قصيدة اسمها: «أمان الخائف» قال في أولها:

شدت بكم العشاق لما ترنموا

فغنوا وقد طاب المقام وزمزم

وضاع شذاكم بين سلع وحاجر

فكان دليل الظاعنين إليكم

وجزتم بوادي الجزع فاخضر والتوى

على خده بالنبت صدغ منمنم

ولما روى أخبار نشر ثغوركم

أراك الحمى جاء الهوى يتنسم

ومنها:

فيا عرب الوادي المنيع حجابه

وأعني به قلبي الذي فيه خيموا

رفعتم قبابا نصب عيني ونحوها

تجر ذيول الشوق والقلب يجزم

4

ويا من أماتونا اشتياقا وصيروا

مدامعنا غسلا لنا وتيمموا

منعتم تحيات السلام لموتنا

غراما وقد متنا فصلوا وسلموا

يقولون لي في الحي أين قبابهم

ومن هم من السادات قلت هم هم

عريب لهم طرفي خباء مطنب

بدمعي وقلبي نارهم حين تضرم

أوري بذكر البان والرند والنقا

وسفح اللوى والجزع والقصد أنتم

وفيها يقول في التخلص إلى مدح الرسول:

تقنعت في حبي لهم فتعصبوا

علي وهم سادات من قد تلثموا

لهم حسب عال ببطحاء مكة

لأن رسول الله في الأصل منهم

ويقول في ختام هذه القصيدة:

عسى وقفة أو قعدة لابن حجة

على بابكم يسعى بها وهو محرم

فقد جاء يشكو من ذنوب تعاظمت

وقدرك في يوم الشفاعة أعظم

وقد ناله في عنفوان شبابه

هموم وسيف الهم للظهر يقصم

وعارضه قد شاب في زمن الصبا

عسى بك من ذا العارض الصعب يسلم

فيا وردنا الصافي طيور قلوبنا

عليك إذا ما نابها الضيم حوم

عليك سلام نشره كلما بدا

به يتغالى الطيب والمسك يختم

ولم نقف على هذه القصيدة كاملة، وما أثبتناه هنا ليس إلا شذرات جمعناها مما تفرق منها في خزانة الأدب، ولم نشر إلى هذه القصيدة إلا لندل على أن الحموي كان يتجه إلى هذا الفن، فإن بديعيته لم توضع في الأصل لمدح الرسول، وإنما هي قصيدة فنية مدح بها النبي مدحا صناعيا لتلحق بأمثالها من البديعيات، وبيان ذلك أن الشاعر لم يكن يهمه عند نظم البيت أن يبلغ مبالغ الصادقين في مدح الرسول، وإنما كان يهمه أن يجيد الإفصاح عما يقصد إليه من فنون البديع، وآية ذلك أنه لم يهتم في شرح البديعية بشيء يذكر من السيرة النبوية، وإنما وقف عند الفنون البديعية، ومجاراته للموصلي والحلي وقفت أيضا عند هذه الغاية، فلم ينظر فيها إلى المدح كما نظر إلى الفن؛ أعني علم البديع. والخلاصة أن خزانة الأدب - وهي مجلد ضخم يقع في 570 صفحة من القطع الكبير - لا يمكن على الإطلاق أن تعد كتابا في السيرة أو الشمائل النبوية، إنما هي كتاب في الأدب الصرف الذي قام على أساس المحسنات البديعية، ولم يفت هذا مصنفي فهارس دار الكتب المصرية، فقد وضعوها في فهرس البلاغة، ولم يرد لها ذكر في فهرس الأدب ولا فهرس التاريخ. (5)

والحموي في خزانته يزهو بنفسه ويختال، وهو يذكر بابن الأثير في كتاب المثل السائر، وإن كان ابن الأثير بالنسبة إليه من المتواضعين، وزهو الحموي يدلنا على أن النقد في عصره لم يكن قويا، ولو كان للنقد في زمانه سلطان لما أسرف في الاختيال. وإلى القارئ بعض الشواهد: (أ)

قال في براعة المطلع: «وأذكرني مهيار بحسن براعته ما كتبت به إلى سيدنا ومولانا قاضي القضاة: صدر الدين، ملك المتأدبين، أبي الحسن علي بن الآدمي ... وهي رسالة مشتملة على نظم ونثر، فصدرت الجواب بقصيدة ترفل في حلل النسيب على طريق مهيار، وكلها براعة استهلال، أولها:

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٥٠