تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

قصيدة الأعشى التي يقول في مطلعها:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا

وعادك ما عاد السليم المسهدا

1

وما ذاك من عشق النساء وإنما

تناسيت قبل اليوم خلة مهددا

2

ولكن أرى الدهر الذي هو خائن

إذا أصلحت كفاه عاد فأفسدا

كهولا وشبانا فقدت وثروة

فلله هذا الدهر كيف ترددا

وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع

وليدا وكهلا حين شبت وأمردا

وفيها يقول لناقته:

فآليت لا أرثي لها من كلالة

ولا من حفى حتى تزور محمدا

نبي يرى ما لا ترون وذكره

أغار لعمري في البلاد وأنجدا

له صدقات ما تغب ونائل

وليس عطاء اليوم مانعه غدا

متى ما تناخي عند باب ابن هاشم

تراحي وتلقي من فواضله ندى

ولكن هذا ليس من المدائح النبوية؛ أي ليس من الفن الذي ندرسه في هذا الكتاب؛ لأن الأعشى لم يقل هذا الشعر وهو صادق النية في مدح الرسول، وإنما كانت محاولة أراد بها التقرب من نبي الإسلام، وآية ذلك أنه انصرف حين صرفته قريش، ولو كان صادقا ما تحول، فقد حدثوا أن قريشا رصدوه على طريقه حين بلغهم خبره وسألوه أين يريد، فأخبرهم أنه يريد محمدا ليسلم، فأفهموه أنه ينهاه عن الزنا والقمار والربا والخمر، فقال: لقد تركني الزنا وما تركته. وأبدى زهادته في القمار رجاء أن يصيب من النبي عوضا منه، وقال عن الربا: ما دنت ولا ادنت.

وأبدى جزعه عند ذكر الخمر وقال: أوه! أرجع إلى صبابة قد بقيت لي في المهراس فأشربها.

فقال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن الآن في هدنة فتأخذ مائة من الإبل وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته. فقال: ما أكره ذلك!

وجمع له أبو سفيان من قريش مائة ناقة، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوخة

3

رمى به بعيره فقتله.

4

وهذه القصة تدل على أن مدحه للرسول لم يكن إلا محاولة كسائر محاولات الشعراء الذين يتكسبون بالمديح، وليست قصيدته أثرا لعاطفة دينية قوية حتى تلحق بالمدائح النبوية. (4)

وكذلك الحال في قصيدة «بانت سعاد» التي قالها كعب بن زهير في مدح الرسول

صلى الله عليه وسلم ، فإنها لم تنظم إلا في سبيل النجاة من القتل، وحديث ذلك أن كعبا خرج هو وأخوه بجير إلى رسول الله حتى بلغا أبرق العزاف،

5

فقال كعب لبجير: الحق الرجل، وأنا مقيم ها هنا، فانظر ما يقول لك. فقدم بجير على رسول الله فسمع منه وأسلم، وبلغ ذلك كعبا فقال:

من مبلغ عني بجيرا رسالة

فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا

شربت مع المأمون كأسا روية

فأنهلك المأمون منها وعلكا

6

وخالفت أسباب الهدى واتبعته

على أي شيء ويب غيرك دلكا

7

على خلق لم تلف أما ولا أبا

عليه ولم تدرك عليه أخا لكا

فإن أنت لم تفعل فلست بآسف

ولا قائل إما عثرت لعا لكا

8

وبعث بها إلى بجير، فكره أن يكتمها رسول الله، فأنشده إياها، ثم قال بجير لكعب:

من مبلغ كعبا فهل لك في التي

تلوم عليها باطلا وهي أحزم

إلى الله - لا العزى ولا اللات - وحده

فتنجو إذا كان النجاة وتسلم

لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت

من الناس إلا طاهر القلب مسلم

فدين زهير وهو لا شيء دينه

ودين أبي سلمى علي محرم

فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، فقالوا: هو مقتول. فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي يمدح فيها الرسول، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل من جهينة، فغدا به إلى رسول الله حين صلى الصبح، فصلى معه، ثم أشار له إلى رسول الله

صلى الله عليه وسلم

فقال: هذا رسول الله، قم إليه فاستأمنه. فقام حتى جلس إليه فوضع يده في يده، وكان رسول الله لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ فقال رسول الله: نعم! فقال: أنا، يا رسول الله، كعب بن زهير! ثم أنشده القصيدة.

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٤