تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع أن الشاعر كان فارغ القلب من الصبوات الحسية، فإنا نراه قارب الإجادة في التعبير عن لوعة الوجد حين قال:

أيحسب الصب أن الحب منكتم

ما بين منسجم منه ومضطرم

لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل

ولا أرقت لذكر البان والعلم

فكيف تنكر حبا بعدما شهدت

به عليك عدول الدمع والسقم

وأثبت الوجد خطي عبرة وضنى

مثل البهار على خديك والعنم

نعم سرى طيف من أهوى فأرقني

والحب يعترض اللذات بالألم (3)

أما التحذير من هوى النفس فقد ابتدأه الشاعر بالكلام عن عذل الشيب ، وفي ذلك دليل على أن الشاعر نظم البردة في أيام الاكتهال، وأبياته في هذا المعنى جيدة، وفيها شطرات تجري مجرى الأمثال، كقوله:

والشيب أبعد في نصح عن التهم

وقوله:

إن الطعام يقوي شهوة النهم

وقوله:

إن الهوى ما تولى يصم أو يصم

وقوله:

فرب مخمصة شر من التخم

وقوله:

وما استقمت فما قولي لك استقم

وله نظرات في سياسة النفس على جانب من الدقة: كالتحذير من دسائس الشبع والجوع، وتشبيه النفس بالطفل «إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم»، وهو يرى أن أداء الفرائض رتبة صغيرة لا تصل به إلى درجات الأصفياء، ويقول:

ولا تزودت قبل الموت نافلة

ولم أصل سوى فرض ولم أصم (4)

وفي مدح النبي يتحدث عن تهجده، فيذكر أنه أدام قيام الليل حتى تورمت قدماه، ويتحدث عن إيثاره الجوع فيذكر أنه كان يشد أحشاءه من السغب، ويتكلم عن زهده فيذكر أن جبال الذهب راودته عن نفسه فاستعصم، ثم يذكر أنه سيد الكونين والثقلين والفريقين من عرب ومن عجم، وأنه الآمر الناهي، وأنه لا أحد أبر منه في قول «لا» و«نعم»، وأنه مرجو الشفاعة، وأن المستمسكين به مستمسكون بحبل غير منفصم، وأنه فاق النبيين في الخلق والخلق، ولم يدانوه في علم ولا كرم، ويمعن في ذلك فيقول:

وكلهم من رسول الله ملتمس

غرفا من البحر أو رشفا من الديم

وواقفون لديه عند حدهم

من نقطة العلم أو من شكلة الحكم

ويحكم بأنه هو «الذي تم معناه وصورته»، وأنه منزه عن الشريك في محاسنه، ويقول:

دع ما ادعته النصارى في نبيهم

واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم

وله في مدح النبي أبيات جيدة حقا من الوجهة الشعرية، وانظر هذا البيت البارع الجميل:

لو ناسبت قدره آياته عظما

أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم

وانظر هذه الوثبة الشعرية في تصوير شخصية الرسول:

أعيا الورى فهم معناه فليس يرى

للقرب والبعد منه غير منفحم

كالشمس تظهر للعينين من بعد

صغيرة وتكل الطرف من أمم

وكيف يدرك في الدنيا حقيقته

قوم نيام تسلوا عنه بالحلم

فمبلغ العلم فيه أنه بشر

وأنه خير خلق الله كلهم

أكرم بخلق نبي زانه خلق

بالحسن مشتمل بالبشر متسم

كالزهر في ترف والبدر في شرف

والبحر في كرم والدهر في همم

كأنه وهو فرد في جلالته

في عسكر حين تلقاه وفي حشم

وهذه أبيات في غاية من القوة، وإن كانت أخيلتها مقتبسة من معان قديمة، وقوله بعد ذلك:

كأنما اللؤلؤ المكنون في صدف

من معدني منطق منه ومبتسم

من المعاني التي أكثر منها الشعراء، وقد نقلها البوصيري من النسيب إلى المديح، وقوله:

لا طيب يعدل تربا ضم أعظمه

طوبى لمنتشق منه وملتثم

من الأخيلة العامية، وقوله في تفضيل النبي على سائر الأنبياء:

وكل آي أتى الرسل الكرام بها

فإنما اتصلت من نوره بهم

فإنه شمس فضل هم كواكبها

يظهرن أنوارها للناس في الظلم

هذا المعنى ينافي الأدب الجميل في رعاية حقوق الأنبياء، وهو يساير به نزعة ساذجة لا يقرها عقل، ولا يدعو إليها دين، وليس مما ينقص مجد النبي أن يكون لمن سبقوه من الأنبياء شخصية مستقلة عنه كل الاستقلال. (5)

ثم تكلم عن مولد النبي فذكر أن إيوان كسرى انصدع، وأن نار الفرس خمدت، وأن بحيرة ساوة غاضت، وأن الشهب انقضت فوق الأصنام، ولم يعرف لشيء من ذلك سند صحيح من التاريخ، ولا نعرف متى نشأت هذه الأخبار عند المسلمين، وأغلب الظن أنها من وضع القصاص الذين أرادوا أن يصوروا مولد الرسول بالصور التي أثرت عن أنبياء الهنود، وقد أكثر مؤرخو المولد من هذه الأخبار، وطاف بها جمهور الناظمين في المدائح النبوية. (6)

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٤٤