تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتحدث عن المعجزات، فذكر سجود الأشجار للرسول، ومشيها إليه، وسير الغمامة أنى سار لتقيه حر الهجير، وما صنع الحمام والعنكبوت بالغار، وكيف كان لمس راحته يبرئ المريض، ويشفي من الجنون، وكيف كانت دعوته ترسل الأمطار في السنة الشهباء.

وبعض هذه الأخبار يحتاج إلى تحقيق. (7)

وتكلم عن القرآن فقال إنه ظهر «ظهور نار القرى ليلا على علم»، وإن المديح لا يتطاول إلى ما فيه من كرم الأخلاق والشيم، وإن آياته:

لم تقترن بزمان وهي تخبرنا

عن المعاد وعن عاد وعن إرم

وإنها:

دامت لدينا ففاقت كل معجزة

من النبيين إذ جاءت ولم تدم

وهذا أجمل ما يوصف به القرآن، فهو المعجزة الباقية، وهو أيضا المعجزة الصريحة التي يعتز بها العقل، ويصح للمسلمين أن يواجهوا بها العالم غير مترددين، أما نبع الماء بين يدي الرسول، وتظليل الغمام إياه، وسجود الأشجار له، وما إلى ذلك من المعجزات، فهي مسائل يحتاج عرضها إلى مخاطرة، وهي مخشية الضر قبل أن تكون مرجوة النفع.

وقوله في وصف آي القرآن:

ما حوربت قط إلا عاد من حرب

أعدى الأعادي إليها ملقي السلم

ردت بلاغتها دعوى معارضها

رد الغيور يد الجاني عن الحرم

كلمة صدق، ويكفي أن تقرأ القرآن بحيدة ونزاهة لتلمس هذه الحقيقة، فهو كتاب على جانب عظيم جدا من القوة، وليس عليه بعزيز أن يحمل عدوه على الإيمان بما فيه من روعة وجلال.

والمعاني الشعرية قليلة فيما وصف البوصيري به آي القرآن، ومع ذلك نستجيد له هذين البيتين:

لا تعجبن لحسود راح ينكرها

تجاهلا وهو عين الحاذق الفهم

فالعين تنكر ضوء الشمس من رمد

وينكر الفم طعم الماء من سقم (8)

ثم تحدث عن الإسراء بأبيات خفيفة الروح:

يا خير من يمم العافون ساحته

سعيا وفوق متون الأينق الرسم

ومن هو الآية الكبرى لمعتبر

ومن هو النعمة العظمى لمغتنم

سريت من حرم ليلا إلى حرم

كما سرى البدر في داج من الظلم

وبت ترقى إلى أن نلت منزلة

من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم

ثم وقع في أبيات لم يصقلها الذوق حين قال:

وقدمتك جميع الأنبياء بها

والرسل تقديم مخدوم على خدم

وأنت تخترق السبع الطباق بهم

في موكب كنت فيه صاحب العلم

حتى إذا لم تدع شأوا لمستبق

من الدنو ولا مرقى لمستنم

خفضت كل مقام بالإضافة إذ

نوديت بالرفع مثل المفرد العلم

والبيت الأخير ثقيل أضرت به التورية النحوية. (9)

وتكلم عن الجهاد فوصف النبي وأصحابه بالبأس والقوة، وبين أن الأعداء سقطوا من صدمة الرعب والفزع:

راعت قلوب العدا أنباء بعثته

كنبأة أجفلت غفلا من الغنم

ما زال يلقاهم في كل معترك

حتى حكوا بالقنا لحما على وضم

ودوا الفرار فكادوا يغبطون به

أشلاء شالت مع العقبان والرخم

تمضي الليالي ولا يدرون عدتها

ما لم تكن من ليالي الأشهر الحرم

ويعجبنا قوله في وصف جند الرسول:

كأنما الدين ضيف حل ساحتهم

بكل قرم إلى لحم العدا قرم

يجر بحر خميس فوق سابحة

يرمي بموج من الأبطال ملتطم

من كل منتدب لله محتسب

يسطو بمستأصل للكفر مصطلم

حتى غدت ملة الإسلام وهي بهم

من بعد غربتها موصولة الرحم

هم الجبال فسل عنهم مصادمهم

ماذا رأى منهم في كل مصطدم

المصدري البيض حمرا بعدما وردت

من العدا كل مسود من اللمم

والكاتبين بسمر الخط ما تركت

أقلامهم حرف جسم غير منعجم

شاكي السلاح لهم سيما تميزهم

والورد يمتاز بالسيما من السلم

كأنهم في ظهور الخيل نبت ربا

من شدة الحزم لا من شدة الحزم

طارت قلوب العدا من بأسهم فرقا

فما تفرق بين البهم والبهم

ومن تكن برسول الله نصرته

إن تلقه الأسد في آجامها تجم

أحل أمته في حرز ملته

كالليث حل مع الأشبال في أجم

وهذه الأبيات تخيرناها مما وصف به الجهاد والمجاهدين، وهي تمتاز بقوة السبك وروعة الخيال، وهي أيضا من نوادر الشعر في قصيدة البردة؛ لأن الشعر لا يتفق لهذا الرجل في جميع المقامات. (10)

وقد ظهرت نفحات التصوف ظهورا قويا في الجزء الأخير من البردة، وهو التوسل بالرسول:

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٤٥