تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما أعدم الله موجودا وأوجد مع

دوما صلاة دواما ليس تنحصر

تستغرق العد مع جمع الدهور كما

تحيط بالحد لا تبقي ولا تذر

وهذا النمط من الصلاة على النبي لم يكن معروفا في صدر الإسلام، وإنما هو تصرف من غلاة الصوفية أمثال صاحب «دلائل الخيرات». (5)

ومنام البوصيري كانت له أطياف في أذهان الصوفية، فقد استحبوا أن يقرأ المرء هذا البيت:

مولاي صل وسلم دائما أبدا

على حبيبك خير الخلق كلهم

بعد كل بيت من أبيات البردة، وذكروا أن الغزنوي كان يقرؤها في كل ليلة ليرى النبي في منامه، فلم تتيسر له الرؤيا، فشكا ذلك إلى شيخ كامل، فقال له: لعلك لا تراعي شرائطها! فقال: لا، بل أراعيها. فراقبه الشيخ ثم قال له: إنك لا تصلي بالصلاة التي كان يصلي بها الإمام البوصيري على النبي

صلى الله عليه وسلم ، وهي قوله: مولاي صل وسلم (البيت). قالوا: وحكمة اختياره هذا البيت دون غيره أنه رحمه الله لما أنشأ هذه القصيدة رأى النبي في المنام، فأنشدها بين يديه، فكان يتمايل طربا كتمايل الأغصان، فلما انتهى إلى قوله: «فمبلغ العلم فيه أنه بشر» لم يقدر على تكميل البيت، فقال له عليه الصلاة والسلام: اقرأ، فقال: إني لم أوفق للمصراع الثاني يا رسول الله. فقال له الرسول قل: «وأنه خير خلق الله كلهم»، فأدرج البوصيري هذا المصراع الذي قاله النبي في البيت المتقدم، وجعله صلاة مكررة بعد كل بيت حرصا على لفظ النبي عليه السلام.

وهذه المنامات تعليلها سهل، فحب البوصيري للرسول خلق منه قيثارة نبوية، وإيمان الصوفية بعظمة البوصيري ويمن قصيدته وجه أحلامهم إلى تصور الرسول في المنام بفضل الإكثار من تلاوة البردة مصحوبة بتلك الصلاة، والبردة في ذاتها لا تمكن كل إنسان من الكرامات، وإنما تنفعل النفس بما تؤمن به في صدق وإخلاص، فتتمثل الغرائب والأعاجيب، وكذلك كانت البردة عند بعض الناس مفتاحا للمثول بين يدي الرسول، ورؤيا النبي حق: عند الصوفية، وعند الفقهاء.

الفصل التاسع

| عناصر البردة

(1)

تقع البردة في اثنين وثمانين ومائة بيت، فهي من القصائد الطوال، وأغلب الظن عندي أن البوصيري استأنس عند نظمها بميمية ابن الفارض، ودليل ذلك تشابه المطلعين، فإن مطلع قصيدة ابن الفارض:

هل نار ليلى بدت ليلا بذي سلم

أم بارق لاح في الزوراء فالعلم

أرواح نعمان هلا نسمة سحرا

وماء وجرة هلا نهلة بفم

ومطلع قصيدة البوصيري:

أمن تذكر جيران بذي سلم

مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

أم هبت الريح من تلقاء كاظمة

وأومض البرق في الظلماء من إضم

فذو سلم، وهبوب الريح ، وإيماض البرق مما اشترك فيه الشاعران، مع وحدة الوزن والقافية، يضاف إلى هذا أن ابن الفارض قال:

يا لائما لامني في حبهم سفها

كف الملام فلو أحببت لم تلم

فتابعه البوصيري فقال:

يا لائمي في الهوى العذري معذرة

مني إليك ولو أنصفت لم تلم

كما تابع شوقي البوصيري حين قال:

يا لائمي في هواه والهوى قدر

لو مسك الشوق لم تعذل ولم تلم

وقال ابن الفارض:

طوعا لقاض أتى في حكمه عجبا

أفتى بسفك دمي في الحل والحرم

أصم لم يسمع الشكوى وأبكم لم

يحر جوابا وعن حال المشوق عمي

فدار البوصيري حول هذا المعنى إذ قال:

عدتك حالي لا سري بمستتر

عن الوشاة ولا دائي بمنحسم

محضتني النصح لكن لست أسمعه

إن المحب عن العذال في صمم (2)

وتشتمل البردة على عدة عناصر: ففي صدرها النسيب، ويليه التحذير من هوى النفس، ثم مدح النبي، والكلام عن مولده ومعجزاته، ثم القرآن والإسراء والمعراج والجهاد، ثم التوسل والمناجاة.

والنسيب في البردة يتصل بالشوق إلى المعالم العربية، وكنت لمت البوصيري على هذا في كتاب «الموازنة بين الشعراء» ثم تبينت أنه اختار تلك المواطن لصلتها بمولد الرسول، وخاصة إذا لاحظنا أن النسيب لم يقصد لذاته حتى يتحدث الشاعر عن هواه في بلبيس أو فاقوس، وإنما هو نسيب وقع موقع التمهيد لقصيدة دينية، ولولا حرص الشاعر على متابعة القدماء في افتتاح القصائد بالنسيب لما كان للتغزل في مثل هذه القصيدة مكان.

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٤٣