تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إليك نشكو حالنا إننا

حاشاك من قوم أولي عسره

في قلة نحن ولكن لنا

عائلة في غاية الكثره

أحدث المولى الحديث الذي

جرى لهم بالخيط والإبره

صاموا مع الناس ولكنهم

كانوا لمن أبصرهم عبره

إن يشربوا فالبئر زير لهم

ما برحت والشربة الجره

لهم من الخبيز مسلوقة

في كل يوم تشبه النشره

أقول مهما اجتمعوا حولها

تنزهوا في الماء والخضره

وأقبل العيد وما عندهم

قمح ولا خبز ولا فطره

فارحمهمو إن عاينوا كعكة

في كف طفل أو رأوا تمره

تشخص أبصارهمو نحوها

بشهقة تتبعها زفره

كم قائل يا أبتا منهمو

قطعت عنا الخير في كره

ما صرت تاتينا بفلس ولا

بدرهم ورق ولا نقره

وأنت في خدمة قوم فهل

تخدمهمو يا أبت سخره

ويوم زارت أمهم أختها

والأخت في الغيرة كالضره

وأقبلت تشكو لها حالها

وصبرها مني على العشره

قالت لها كيف تكون النسا

كذا مع الأزواج يا عره!

قومي اطلبي حقك منه بلا

تخلف منك ولا فتره

وإن تأبى فخذي ذقنه

أو انتفيها شعرة شعره

قالت لها ما هكذا عادتي

فإن زوجي عنده ضجره

أخاف إن كلمته كلمة

طلقني قالت لها بعره

وهونت قدري في نفسها

فجاءت الزوجة مجتره

فقاتلتني فتهددتها

فاستقبلت رأسي بآجره

وحق من حالته هذه

أن ينظر المولى له أمره

وفي هذه القصيدة كثير من التعابير المصرية، ولا تزال بقاياها موجودة في بلبيس. (4)

وقد حدثنا البوصيري عن سبب وضعه للبردة فقال: «كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله

صلى الله عليه وسلم

منها ما كان اقترحه علي الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير، ثم اتفق بعد ذلك أن صاحبني فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه فعملتها، واستشفعت بها إلى الله تعالى في أن يعافيني، وكررت إنشادها، ودعوت، وتوسلت، ونمت فرأيت النبي

صلى الله عليه وسلم ، فمسح وجهي بيده المباركة، وألقى علي بردة، فانتبهت ووجدت في نهضة، فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحدا، فلقيني بعض الفقراء فقال لي: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، فقلت: أيها؟ فقال: التي أنشأتها في مرضك وذكر أولها، وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، ورأيت رسول الله

صلى الله عليه وسلم

يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة، فأعطيته إياها، وذكر الفقير ذلك، وشاع المنام.»

وفي هذه القطعة دلالة على عقلية البوصيري؛ فهو رجل فيه طيبة وسذاجة كأكثر الصوفية، فليس من المعقول أن يبرأ مريض من مرضه لآية يتلوها أو قصيدة ينشدها كما برئ البوصيري بقصيدته، ولو مرض مفتي الديار المصرية - لا سمح الله - ما استغنى بالبردة عن الطبيب،

2

ولعل حكاية البوصيري هذه هي سبب ما سار بجانب البردة من الخرافات، فقد ذكر بعض الشراح لكل بيت من أبياتها فائدة: فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون! وهذا النوع من الغفلة قديم، فقد كان الزمخشري يذكر شيئا من مثل هذا عن سور القرآن. ونلاحظ كذلك أن البوصيري كرر عبارة «

صلى الله عليه وسلم » خمس مرات في هذه الفقرة الصغيرة، وتكرار الصلاة على النبي كلما ذكر اسمه من وساوس المتأخرين، وقد زاد البوصيري على ذلك في القصيدة المضرية، فهو يدعو الله أن يصلي على النبي وشيعته وصحبه عدد الحصى والثرى والمدر، وعدد نجم السماء، ونبات الأرض، وعدد وزن مثاقيل الجبال، وقطر جميع الماء والمطر، وما حوت الأشجار من ورق، وعدد الجن والإنس والأملاك، وعدد الذر، والنمل، والحبوب، والشعر، والصوف، والريش، والوبر، وعدد ما أحاط به العلم المحيط، وما جرى به القلم والقدر، وعدد نعم الله على الخلائق مذ كانوا، ومذ حشروا، وعدد ما كان في الأكوان، وما يكون إلى يوم البعث، وتكون هذه الصلاة بهذا التحديد:

في كل طرفة عين يطرفون بها

أهل السموات والأرضين أو يذروا

ملء السموات والأرضين مع جبل

والفرش والعرش والكرسي وما حصروا

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٤٢