فكم سرقوا الغلال وما عرفنا
بهم فكأنهم سرقوا العيونا
ولولا ذاك ما لبسوا حريرا
ولا شربوا خمور الأندرينا
ولا ربوا من المردان مردا
كأغصان يملن وينحنينا
وقد طلعت لبعضهمو ذقون
ولكن بعدما حلقوا ذقونا
وأقلام الجماعة جائلات
كأسياف بأيدي لاعبينا
وقد ساومتهم حرفا بحرف
وكل اسم يخطوا منه سينا
أمولاي الوزير غفلت عما
يتم من اللئام الكاتبينا
تنسك معشر منهم وعدوا
من الزهاد والمتورعينا
وقيل لهم دعاء مستجاب
وقد ملئوا من السحت البطونا
تفقهت القضاة فخان كل
أمانته وسموه الأمينا
وما أخشى على أموال مصر
سوى من معشر يتأولونا
يقول المسلمون لنا حقوق
بها ولنحن أولى الآخذينا
وقال القبط نحن ملوك مصر
وإن سواهمو هم غاصبونا
وحللت اليهود بحفظ سبت
لهم مال الطوائف أجمعينا
وما ابن قطيبة إلا شريك
لهم في كل ما يتخطفونا
أغار على قرى «فاقوس» منه
بجور يمنع النوم الجفونا
وصير عينها حملا ولكن
لمنزله وغلتها خزينا
وأصبح شغله تحصيل تبر
وكانت راؤه من قبل نونا
وقدمه الذين لهم وصول
فتمم نقصه صلة الذينا
وفي دار الوكالة أي نهب
فليتك لو نهبت الناهبينا
فقام بها يهودي خبيث
يسوم المسلمين أذى وهونا
إذا ألقى بها موسى عصاه
تلقفت القوافل والسفينا
وشاهدهم إذا اتهموا يؤدي
عن الكل الشهادة واليمينا (2)
وهذه القطعة ذكرها صاحب فوات الوفيات من قصيدة طويلة يذكر أنها كانت مشهورة، وشهرتها فيما نرى لا ترجع إلى قيمتها الأدبية؛ لأنها قصيدة ضعيفة يغلب عليها الابتذال، وإنما ترجع شهرتها إلى ما فيها من التنديد بالموظفين، والناس يبغضون الموظفين حين يعرفون بالطمع والاستبداد. ولهذه القصيدة قيمتها من الوجهة التاريخية، فهي شاهد على اختلاف الطوائف في مصر، وعلى ما كان يجري إذ ذاك بين المسلمين والنصارى واليهود، وهي كذلك شاهد على عيوب الإدارة في ذلك الحين.
والظاهر أنه كان مغرما بثلب الموظفين، فقد قال من قصيدة أخرى يحرض عليهم أحد كبار المماليك:
فلا تدن منهم واحدا منك ساعة
ولو فاح من برديه مسك وعنبر
وبرد فؤادي بانتقامك منهمو
فقد كاد قلبي منهمو يتفطر
منعت بهم حظي شهورا ولم أصل
إلى حظهم حتى مضت لي أشهر
أما فيهمو، لا بارك الله فيهمو
أخو قلم إلا يخون ويغدر
وفي هذه الأبيات ما يشعر بأن الموظفين كانوا يماطلونه في دفع المرتب، وقد صرح بذلك في قصيدة أخرى إذ يقول:
من لم يقم لي منهمو بوظيفتي
جرسته بملامتي تجريسا (3)
ومن شعر البوصيري فيما يجري مجرى الدعابة قوله في الحديث عن جارية راودها عن نفسها فأنكرت عليه الشيب والضعف:
أهوى والمشيب قد حال دونه
والتصابي بعد المشيب رعونه
أبت النفس أن تطيع وقالت
إن حبي لا يدخل القنينه
كيف أعصي الهوى وطينة قلبي
بالهوى قبل آدم معجونه
سلبته الرقاد بيضة خدر
ذات حسن كالدرة المكنونه
سمتها قبلة تسر بها النف
س فقالت كذا أكون حزينه
قلت لا بد أن تسيري إلى الدا
ر فقالت عسى! أنا مجنونه!
قلت سيري فإنني لك خير
من أب راحم وأم حنونه
أنا نعم القرين إن كنت تبغي
ن حلالا وأنت نعم القرينه
قالت اضرب عن وصل مثلي صفحا
واضرب الخل أو يصير طحينه
لا أرى أن تمسني يد شيخ
كيف أرضى به لطشتي مشينه
قلت إني كثير مال فقالت
هبك أنت المبارز القارونه
وهذا أيضا شعر ضعيف، ولكن فيه «حكاية ظريفة» من حكايات مولانا الشيخ رضي الله عنه وأرضاه! وأظرف من هذه القطعة أبياته التي بعث بها إلى ناظر الشرقية، وكانت له حمارة استعارها منه الناظر فأعجبته، فكتب على لسانها إليه:
يا أيها السيد الذي شهدت
أخلاقه لي بأنه فاضل
ما كان ظني يبيعني أحد
قط ولكن صاحبي جاهل
لو جرسوه علي من سفه
لقلت غيظا عليه يستاهل
أقصى مرادي لو كنت في بلدي
أرعى بها في جوانب الساحل
وبعد هذا فما يحل لكم
أخذي لأني من سيدي حامل
وقد استظرف ناظر الشرقية هذه الأبيات، ورد إليه الحمارة، ولم يكن فيها من الزاهدين! ونحن نستملح كذلك قصيدته التي بعث بها إلى أحد الوزراء في شكوى حاله، وهي قصيدة طريفة يذكر فيها أنه فقير، وأن أبناءه لا يجدون ما يأكلون، وأنهم يتحسرون لفقد الكعك أيام الأعياد، وأن امرأته زارت أختها، وشكت إليها سوء الحال، فأشارت عليها بضربه، ونتف ذقنه شعرة شعرة! وفي تفصيل ذلك يقول، وهو يخاطب ذلك الوزير: