أو ليت ما أخذ التوديع من جسدي
قضى علي فللتعذيب ما يدع
ولما انتهى إلى مدح أهل البيت ضرب الغادرين بالقواصم، فقال:
هذي قضايا رسول الله مهملة
غدرا وشمل رسول الله منصدع
والناس للعهد ما لاقوا وما قربوا
وللخيانة ما غابوا وما شسعوا
5
وآله وهم آل الإله وهم
رعاة ذا الدين ضيموا بعده ورعوا
ميثاقه فيهم ملقى وأمته
مع من بغاهم وعاداهم له شيع
ثم انتقل إلى ما أضاعوا من بيعة يوم الغدير، وكانوا يرون أن النبي خطب الناس عنده، فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وقد استغل الشيعة هذا «التصريح» وعبر عن هواهم مهيار حين قال:
تضاع بيعته يوم الغدير لهم
بعد الرضا وتحاط الروم والبيع
6
مقسمين بأيمان هم جذبوا
ببوعها وبأسياف هم طبعوا
ما بين ناشر حبل أمس أبرمه
تعد مسنونة من بعده البدع
وبين مقتنص بالمكر يخدعه
عن آجل عاجل حلو فينخدع
وقائل لي علي كان وارثه
بالنص منه فهل أعطوه أم منعوا؟
فقلت كانت هنات لست أذكرها
يجزي بها الله أقواما بما صنعوا
واندفع يصاول خصوم أهل البيت مصاولة الفحول، فقال:
أبلغ رجالا إذا سميتهم عرفوا
لهم وجوه من الشحناء تمتقع
توافقوا وقناة الدين مائلة
فحين قامت تلاحوا فيه واقترعوا
أطاع أولهم في الغدر ثانيهم
وجاء ثالثهم يقفو ويتبع
قفوا على نظر في الحق نفرضه
والعقل يفصل والمحجوج ينقطع
بأي حكم بنوه يتبعونكم
وفخركم أنكم صحب له تبع
وكيف ضاقت على الأهلين تربته
وللأجانب من جنبيه مضطجع
وفيم صيرتم الإجماع حجتكم
والناس ما اتفقوا طوعا ولا اجتمعوا
وهذه القوة في الحجاج تذكرنا بوثبات الكميت في قصائده الهاشميات.
وقد ختم هذه القصيدة الرائعة بهذا الولاء وهو يخاطب علي بن أبي طالب:
آباي في فارس والدين دينكم
حقا لقد طاب لي أس ومرتبع
ما زلت مذ يفعت سني ألوذ بكم - حتى محا حقكم شكي - وأنتجع
وقد مضت فرطات إن كفلت بها
فرقت عن صحفي البأس الذي جمعوا
سولت نفسي غرورا إن ضمنت لها
أني بذخر سوى حبيك أنتفع
الفصل الثامن
| بردة البوصيري
حياة البوصيري، وشعره في الموظفين - نماذج من شعره الفكاهي - سبب نظم البردة - الإكثار من الصلاة على الرسول - شاهد من القصيدة المضرية - أثر البردة في أحلام الصوفية - تعليل تلك الأحلام. ***
تعد قصيدة البردة أهم القصائد بين المدائح النبوية، فهي أولا: قصيدة جيدة، وهي ثانيا: أسير قصيدة في هذا الباب، وهي ثالثا: مصدر الوحي لكثير من القصائد التي أنشئت بعد البوصيري في مدح الرسول.
ولهذا كله نرى من الواجب أن نعرض للبوصيري وقصيدته بشيء من التفصيل. (1)
والبوصيري هو محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله بن صنهاج، كان أحد أبويه من «أبو صير»، والآخر من «دلاص» من قرى بني سويف، فركبت له منهما نسبة، وقيل: «الدلاصيري» لكنه اشتهر بالبوصيري، وكان يعاني صناعة الكتابة والتصرف، ويباشر الشرقية ببلبيس.
1
والبوصيري شاعر مصري ظريف من شعراء القرن السابع تجري في شعره النكت المستملحة، وله في شكوى حاله والتذمر من الموظفين قصائد لا تخلو من ذكاء، وفي شعره وصف للحالة الاجتماعية في عصره، وأحسبه من الصادقين؛ فهو يذكر أن الموظفين كانوا يسرقون الغلال، وأنهم لولا ذلك ما لبسوا الحرير، ولا شربوا الخمور، وأن من الكتاب طائفة تنسكت وعدت من الزهاد مع أنها تملأ بطونها بالسحت، وتأكل مال الأيتام، ويذكر أن القضاة خانوا الأمانة، وبرروا خيانتهم بتأويل القرآن والحديث، ويذكر أن المسلمين والأقباط كانوا مختلفين، فكان المسلمون يقولون: لنا بمصر حقوق، ونحن أولى الآخذين، وكان القبط يقولون: نحن ملوك مصر، ومن سوانا هم الغاصبون، وكان اليهود يستحلون مال الطوائف أجمعين، وفي ذلك يقول:
نقدت طوائف المستخدمينا
فلم أر فيهمو حرا أمينا
فقد عاشرتهم ولبثت فيهم
مع التجريب من عمري سنينا
فكتاب الشمال همو جميعا
فلا صحبت شمالهم اليمينا