3
أما القصيدة فمطلعها:
يا ابنة القوم تراك
بالغ قتلي رضاك
وهي في وزن مرقص، وقافية تعتمد على رقة الخطاب، وهما لا يصلحان لمصاولة خصوم أهل البيت؛ ولذلك رأينا الشاعر ينظم اثنين وثلاثين بيتا في النسيب وفي التمهيد لبكاء أهل البيت، ثم ينظم ثلاثة وعشرين بيتا في الغرض الذي أنشئ فيه هذا القصيد، فجاء الغرض وكأنه تبع - من حيث الكمية - لشعر النسيب. (3)
والولاء لأهل البيت ظاهر الصدق في شعر مهيار، وهو يذكر أنه اهتدى بهداهم حين انتقل من الشرك إلى الإسلام، فيقول:
ركبت لكم لقمي فاستننت
وكنت أخابطه مجهلا
وفك من الشرك أسري وكا
ن غلا على منكبي مقفلا
أواليكم ما جرت مزنة
وما اصطخب الرعد أو جلجلا
وأبرأ ممن يعاديكم
فإن البراءة أصل الولا
ومولاكم لا يخاف العقا
ب فكونوا له في غد موئلا
ويقول:
يا هداة الله والنج
وة في يوم الهلاك
بكم استدللت في حي
رة أمري وارتباكي
أظلم الشك وكنتم
لي مصابيح المشاكي
ويقول في خطاب علي بن أبي طالب:
عاديت فيك الناس لم أحفل بهم
حتى رموني عن يد إلا الأقل
تفرغوا يعترقون غيبة
لحمي وفي مدحك لي عنهم شغل
4
عدلت أن ترضى بأن يسخط من
تقله الأرض علي فاعتدل
ولو يشق البحر ثم يلتقي
فلقاه فوقي في هواك لم أبل
علاقة بي لكم سابقة
لمجد «سلمان» إليكم تتصل
وسلمان في البيت الأخير هو سلمان الفارسي، وكان معروف الولاء لأهل البيت، وهو يكثر من الإشارة في شعره إلى ما جر عليه ولاؤه من المحن والأرزاء بسبب الأحقاد، فيقول:
هل يبلغنك يا أبا الحسن الذي
جوزيت فيك وكان ضد جزائيا
من معشر لما مدحتك غظتهم
فتناوشوا عرضي وشانوا شانيا
اسمع - لينصفني انتقامك - إنهم
بالجور راضوني فجئتك شاكيا
لما رأوا ما غاظ مني شنعوا
حاشاك أني قلت فيك مداجيا
لا كان إلا ميتا ميثاقه
من سره أن كان بعدك باقيا
وهذا نهاية التصوف في الولاء.
ولمهيار نظرة سياسية دقيقة فيما أصاب الحسين؛ فهو يرى أن ما وقع بين الصحابة يوم السقيفة كان تمهيدا لمصرعه في كربلاء، وانظر هذين البيتين:
فيوم السقيفة يا ابن النبي
طرق يومك في كربلا
وغصب أبيك على حقه
وأمك حسن أن تقتلا
يريد أن اجتراء القوم على زحزحة علي عن حقه في الخلافة وحرمان فاطمة من حقها في الميراث كان مما هون شأن أهل البيت، وأغرى خصومهم بدم الحسين، ولو جرى الأمر من أول يوم على حفظ الحقوق لأصحاب الحقوق لبقيت هيبة أهل البيت، وعز على خصومهم أن يطمعوا في دمائهم الزكية، ومكانهم ما نعرف من حب الرسول. (4)
أكثر مهيار من التوجع لفقد الحسين، ورأى قتله قريبا من الشرك، فقال:
أرى الدين من بعد يوم الحسين
غليلا له الموت بالمرصد
وما الشرك بالله من قبله
إذا أنت قست بمستبعد
وما آل حرب جنوا إنما
أعادوا الضلال على من بدي
سيعلم من «فاطم» خصمه
بأي نكال غدا يرتدي
ومن ساء «أحمد» يا سبطه
فباء بقتلك ماذا يدي؟
فداؤك نفسي ومن لي بذا
ك لو أن مولى بعبد فدي (5)
وأهم قصائد مهيار في مدح آل البيت هي العينية التي دافع بها عن حق علي بن أبي طالب، وهي من عيون القصائد، وتذكر بعينية حسان في المحاماة عن الرسول.
تقع هذه القصيدة في تسعة وأربعين بيتا، منها أربعة عشر في النسيب، ولكن أي نسيب، إنها نفحة من الشعر الوجداني الرصين، ولننظر كيف يقول:
هل بعد مفترق الأظعان مجتمع
أم هل زمان بهم قد فات يرتجع
تحملوا تسع البيداء ركبهم
ويحمل القلب فيهم فوق ما يسع
مغربين هم والشمس قد ألفوا
ألا تغيب مغيبا حيثما طلعوا
شاكين للبين أجفانا وأفئدة
مفجعين به أمثال ما فجعوا
تخطو بهم فاترات في أزمتها
أعناقها تحت إكراه النوى خضع
تشتاق نعمان لا ترضى بروضته
دارا ولو طاب مصطاف ومرتبع
فداء وافين تمشي الوافيات بهم
دمع دم وحشا في إثرهم قطع
الليل بعدهم كالهجر متصل
ما شاء والنوم مثل الوصل منقطع
ليت الذين أصاخوا يوم صاح بهم
داعي النوى ثوروا، صموا كما سمعوا